التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٥ - ليس في القرآن لحن
ألدّاء له يتحيّنون الفُرص للغمز فيه من أيّ جهةٍ كانت، لولا اعترافاتهم الصريحة باعتلائه الشامخ في الأدب الرفيع. فهل يعقل أن يكون في القرآن مسارب للغمز فيه تغافلها اولئك الأقحاح ليتعرّف إليها هؤلاء الأذناب؟
على أنّ الصحيح من كلّ لغة هو ما حفظته أسنادهم العتيدة، ولتكون هي المعيار في تمييز السليم عن السقيم. هذا ابن مالك- إمام في النحو والأدب ولغة العرب- يجعل القرآن قدوةً في تنظيم قواعد اللغة وترصيف أدبها، يقول:
|
وسَبْقُ حالٍ مابحرفٍ جُرَّ قَدْ |
أَبَوا ولا أمنعُه فَقَدْ وَرَدَ |
|
يعني: أنّ بعض النحاة ذهبوا إلى عدم جواز تقدّم الحال على ذي حال مجرور بحرف، ولكنّي اجيز ذلك، استنادا إلى وروده في سندٍ قويم وهو القرآن الكريم، في قوله تعالى «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ».[١] لتكون «كَافَّةً» حالًا من «النَّاسِ».
فقد جعل القرآن سندا قطعيا لقاعدة لغوية، دون العكس على ما زعمه الزاعمون.
فكلّ ماجاء في القرآن هو الحجّة والسند القاطع لفهم مجاري الأدب الرفيع.
*** فما زعمه الزاعمون من وجود لحن في كتاب اللّه فإنّما هو لقصور فهمٍ وعدم اضطلاعٍ بمباني اللغة الأصيلة وإليك توضيحا لهذا الجانب:
أمّا قوله تعالى: «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ»[٢] فالقراءة الصحيحة المتّبعة وهي قراءة حفص وجمهور المسلمين هي القراءة بالتخفيف، مخفّفا عن المثقّلة، بدليل وجود اللام في الخبر.
وكان أبوعمرو بنالعلاء- وهو أعلم أهل زمانه بالقرآن والعربية وآدابها- يقول: إنّي لأستحيي أن أقرأ بالتشديد ورفع الاسم. فالخطأ موجّه إلى تلك القراءة المرفوضة وليس في القرآن الذي يلهج به عامّة المسلمين وعلى رأسهم قراءة حفص ذات الإسناد الذهبي إلى الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام.
أمّا الحمل على لغة بَلْحَرْث بن كعب، حيث كانوا يلهجون في المثنّى بالألف مطلقا
[١] - سبأ ٢٨: ٣٤.
[٢] - طه ٦٣: ٢٠.