التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٨ - جمع يراد به الاثنان فما فوق
قوله تعالى: «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما».[١] زعموا فيه تهافتا، وكان الوجه أن يقال: اقتتلا، أو بينهم. فجمع الضمير ثمّ تثنيته تهافت.[٢]
لكن الجمع إنّما هو باعتبار أن الاقتتال يقع بين آحاد المؤمنين من كلّ طائفة. أمّا التصالح فإنّما هو بين الفريقين لاالآحاد.[٣]
جمعٌ يراد به الاثنان فما فوق
قد يعبّر بلفظ الجمع ويُراد به مطلق الجمع، أي الجمع العرفي الصادق من اجتماع اثنين فما فوق، نظير ضمير المتكلّم مع الغير، يُراد به الاثنان فما فوق. وهذا شائعٌ في سائر اللغات التي لاتوجد فيها صيَغ للتثنية. والعرب قد تستعمل ذلك حسب العرف العامّ ونظرا للمعنى اللغوي للجمع الصادق مع الاثنين.
قال الطبرسي: والعرب تسمّي الاثنين بلفظ الجمع في كثير من كلامهم. حكى سيبويه أنّهم يقولون: وضعا رحالهما، يريدون رَحْلَيْ راحلتيهما. وقال تعالى: «وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ».[٤] يعني: حكم داود وسليمان.[٥]
قال سيبويه- في باب ما لفظ به ممّا هو مثنّى كما لفظ بالجمع-: وهو أن يكون الشيئان كلّ واحدٍ منهما بعض شيءٍ مفرد من صاحبه، وذلك قولك: ما أَحْسَنَ رُؤُوسَهما، وما أَحْسَنَ عَواليَهما. وقال عزّوجلّ: «إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما».[٦] «وَالسّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما»[٧] فرّقوا بين المثنّى الذي هو شيء على حِدَةٍ وبين ذا. وقال الخليل: نظيره قولك: فعلنا، وأنتما اثنان فتكلّم به كما تكلّم به وأنتم ثلاثة.
وقد قالت العرب في الشيئين اللّذين كلّ واحدٍ منهما اسمٌ على حِدَةٍ وليس واحدٌ
[١] - الحجرات ٩: ٤٩.
[٢] - هاشم العربي في ملحق ترجمة كتاب الإسلام، ص ٤١٩.
[٣] - الهدى إلى دين المصطفى، ج ١، ص ٣٨٤.
[٤] - الأنبياء ٧٨: ٢١.
[٥] - مجمع البيان، ج ٣، ص ١٥.
[٦] - التحريم ٤: ٦٦.
[٧] - المائدة ٣٨: ٥.