التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٥ - ٦ -«و ينزل من السماء من جبال فيها من برد»
مجبول على كذا.
وأورد عليه السيّد بأنّه يلزمه أنّ جعل الجبال اسما للبَرَد نفسه، من حيث كان مجبولًا مستحجرا! وهذا غلط، لأنّ الجبال وإن كانت في الأصل مشتقّة من الجَبْل والجَمْع، فقد صارت اسما لذي هيئةٍ مخصوصة. ولهذا لا يُسمّي أحدٌ من أهل اللغة كلَّ جسم ضُمَّ بعضُه إلى بعض- مع استحجار أو غير استحجار- بأنّه جبل، ولا يخصّون بهذا اللفظ إلّا أجساما مخصوصة ... كما أنّ اسم الدابّة وإن كان مشتقّا في الأصل من الدبيب فقد صار اسما لبعض مادبّ، ولا يعمّ كلّ ما وقع منه الدبيب.
قال: والأولى أن يريد بلفظة السماء- هنا- ما علا من الغيم وارتفع فصار سماءً لنا، لأنّ سماء البيت وسماواته ما ارتفع منه. وأراد بالجبال التشبيه، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تُشبّهه العرب بالجِبال والجِمال، وهذا شائعٌ في كلامها، كأنّه تعالى قال: ويُنزّل من السحاب الذي يُشبه الجبال في تراكمه بَرَدا.
قال: وعلى هذا التفسير تكون «من» الاولى والثانية لابتداء الغاية، والثالثة زائدةً لا حكم لها، ويكون تقدير الكلام: وينزّل من جبالٍ في السماء بَرَدا. فزادت «من» كما تزاد في قولهم: ما في الدار من أحد. وكم أعطيته من درهم، ومالك عندي من حقّ، وما أشبه ذلك.
وأضاف: إنّه قد ظهر مفعولٌ صحيحٌ ل- «ننزّل»، ولا مفعول لهذا الفعل على سائر التأويلات.[١]
قلت: وهو تأويل وجيه لولا جانب زيادة «من» في الإيجاب.
قال ابنهشام: شرط زيادتها تقدّم نفي أو نهي أو استفهام ولم يشترطه الكوفيّون واستدلّوا بقول العرب: قد كان من مطر. وبقول عمر بن أبيربيعة:
|
ويَنمي لها حبّها عندنا |
فما قال من كاشحٍ لم يَضِرّ |
|
أي فما قاله كاشحٌ- وهو الذي يُضمر العداوة- لم يضرّ.
[١] - الأمالي للسيّد المرتضى علم الهدى، ج ٢، ص ٣٠٤- ٣٠٦.