التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٥ - نكتة أدبية في الآية
إحداهما إذا نسيت شيئا ممّا تحمّلته فإنّ الاخرى تذكّرها. وهذا ليس مقصود الآية. بل المقصود: أنّ كلتيهما عرضة للخطأ والنسيان، فتقوم كلّ واحدة منهما بتتميم أو تكميل ما نقص من شهادة صاحبتها. فهذا التعامل والتفاعل في شهادتهما وتكامل شهادة كلّ منهما بشهادة الاخرى تعدّ شهادة واحدة كاملة في مقابل شهادة الرجل الكاملة بوحدتها.
ومن ثَمَّ وجب إعادة «إحداهما»- بلفظه لابضميره- لإفادة هذا المعنى.[١]
وذكر الطبرسي وجها آخر نقله عن الوزير الأديب الحسين بنعلي المغربي وهو أنّ المعنى: أن تضلّ إحدى الشهادتين عن إحدى المرأتين فتذكّرها بها المرأة الاخرى. فجعل «إحدى» الاولى للشهادة والثانية للمرأة. قال: معناه أن تضلّ إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان، فتذكّر إحدى المرأتين الاخرى، وبذلك لم يتكرّر اللفظ.
وأيّده الطبرسي بأنّ نسيان الشهادة لايسمّى ضلالًا ولايسمّى ناسي الشهادة ضالًاّ لأنّ الضلال معناه الضياع، والمرأة لاتضيع، ويقال للشهادة ضلّت إذا ضاعت. كما قال سبحانه: «قالُوا ضَلُّوا عَنَّا»[٢] أي ضاعوا منّا.[٣] ومثله «لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى».[٤]
لكن الزمخشري فسّر الآية على ظاهرها، قال: «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما» أن لاتهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها، من قولهم: ضلّ الطريقَ، إذا لم يهتد إليه.[٥] فيكون الضلال هنا بمعنى عدم الاهتداء.
وقوله تعالى: «ضَلُّوا عَنَّا» أي ذهبوا عنّا وافتقدناهم. فلا يقدرون على الدفع عنّا وبطلت عبادتنا إيّاهم.[٦] وقوله: «لا يَضِلُّ رَبِّي» أي لايذهب عليه شيء،[٧] بمعنى: لايفقده ولايغيب عنه.
وقد فسّر الراغب «الضلال» في الآية بمعنى النسيان.[٨]
[١] - راجع: تفسير المنار لمحمّد عبده، ج ٣، ص ١٢٣.
[٢] - الأعراف ٣٧: ٧.
[٣] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٣٩٨.
[٤] - طه ٥٢: ٢٠. والآية ذكرها الشيخ محمد عبده تأييدا للطبرسي حسب الظاهر.
[٥] - الكشّاف، ج ١، ص ٣٢٦.
[٦] - مجمع البيان، ج ٤، ص ٤١٦.
[٧] - المصدر: ج ٧، ص ١٣.
[٨] - أي في قوله تعالى:« أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى». البقرة ٢٨٢: ٢.