التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨ - «أ و لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل»
القرآن في زُبُر الأوّلين
و أمّا ما تذرّع به صاحبنا الاسقف درّة فملامح الوهن عليه بادية بوضوح:
قوله تعالى: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى. صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى».[١]
هذا إشارة إلى نصائح تقدّمت الآية «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا. وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى». وذلك تأكيدٌ على أنّ ماجاء به محمّد صلى الله عليه و آله لم يكن بدعا ممّا جاء به سائر الرسل «قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ».[٢] فليس الذي جاء به نبيّ الإسلام جديدا لاسابقة له في رسالات اللّه، الأمر الذي يستدعيه طبيعة وحي السماء العامّ وفي كلّ الأدوار من آدم فإلى الخاتم. فإنّ شريعة اللّه واحدة لايختلف بعضها عن بعض. فالإشارة راجعة إلى محتويات الكتاب توالى نزولها حسب توالي بعثة الأنبياء.
فالنصائح والإرشادات تكرّرت مع تكرّر الأجيال. هذا ما تعنيه الآية لا مازعمه صاحبنا الاسقف!
وهكذا قوله تعالى: «أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى».[٣]
يعود الضمير إلى من وقف في وجه الدعوة مستهزئا بأن سوف يتحمّل آثام الآخرين إن لم يؤمنوا بهذا الحديث. فيردّ عليهم القرآن: ألم يبلغهم أنّ كلّ إنسان سوف يكافأ حسب عمله ولاتزرُ وازرةٌ وِزر اخرى؟ فإن لم يعيروا القرآن اهتماما فليعيروا اهتمامهم لما جاء في الصُحُف الأُولى، وهلّا بلغهم ذلك وقد شاع وذاع خبره منذ حين؟! وهكذا سائر الآيات تروم هذا المعنى لاغير!
«أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ»[٤]
وآية اخرى على صدق الدعوة المحمّدية: أنّ الراسخين في العلم من أهل الكتاب يشهدون بصدقها ممّا عرفوا من الحقّ:
[١] - الأعلى ١٨: ٨٧ و ١٩.
[٢] - الأحقاف ٩: ٤٦.
[٣] - النجم ٣٦: ٥٣ و ٣٧.
[٤] - الشعراء ١٩٧: ٢٦.