التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٧ - أسرار التكرار في القصص القرآني
وتكرارا للمكرّر!
القصّة إذا كانت ذات جوانب عديدة فإنّها إنّما تذكر كلّ مرّة بلحاظ جانب منها مناسب للحال والمقام، وقد يعفى هذا الجانب ويلحظ جانب آخر في مناسبة اخرى وهكذا لعدّة مرّات.
وأكثر القصص تكرارا في القرآن حديث موسى وفرعون وتاريخ حياة بني إسرائيل.
ذلك أنّ اليهود كانت جاورت العرب منذ حين، وكانت العرب تعرف من شأنهم وتعظّم من قدرهم ما لا تكاد تعرفه أو تقدّره من سائر الامم. وكانت الأدوار التي مرّت على حياة بني إسرائيل ومواقفهم مع الأنبياء أشبه بحالات كانت تعتور العرب حين ظهر الإسلام.
فكانت العلاقة وثيقة بين الحياتين، تلك في غابرها الماضي وهذه في حاضرها الراهن.
والملاحظ في تكرار قصّة نبيّ اللّه موسى عليه السلام الفرق بين روحها العامّة عندما تذكر في السور المكّيّة، وروحها في السور المدنيّة. فإنّما تؤكّد في القصص المكّي منها على العلاقة العامّة بين موسى من جانب وفرعون وملأه من جانب آخر، دون أن تذكر أوضاع بني إسرائيل تجاه موسى نفسه، إلّا في موردين يذكر فيهما انحراف بني إسرائيل عن العقيدة الإلهيّة بشكل عام. وهذا بخلاف الروح العامّة لقصّة موسى في السور المدنيّة، فإنّها تتحدّث عن علاقة موسى مع بني إسرائيل. وتتحدّث عن هذه العلاقة وارتباطها بالمشاكل الاجتماعيّة والسياسيّة.
وهذا قد يدلّنا على أنّ هذا التكرار للقصّة في السور المكّيّة إنّما كان لمعالجة روحيّة تتعلّق بحوادث مختلفة واجهت النبي والمسلمين ومشاكلهم مع المشركين، ومن أهداف هذه المعالجة توسعة نطاق المفهوم العامّ الذي تعطيه القصّة في العلاقة بين النبي والجبّارين من قومه، وأنّ هذه العلاقة لا تختلف فيها حادثة عن حادثة أو موقف عن موقف، والتاريخ يكرّر نفسه.
وهكذا يختلف سرد قصص نوح وإبراهيم وسائر الأنبياء، باختلاف الأحوال التي كان يعالجها المسلمون في طول الدعوة، فأطوارا بمكّة وأطوارا بالمدينة حسب تغيّر الأوضاع.