التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٤ - موهم الاختلاف والتناقض زيادة على ماسبق
وقوله تعالى: «لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى».[١] «إلّا» هو بمعنى «سوى» مثلها في قوله: «وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ».[٢] يريد سوى ما سلف في الجاهلية قبل النهي. فالمعنى في الآية الاولى: أنّهم لايذوقون الموت بعد موتهم الأوّل.[٣]
وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا».[٤] قالوا:
ليس الودّ ممّا يجعل، وإنّما هو شي يحصل في القلب. فلا يقال: يَجْعَل لك حبّا، بل يقال:
يحبّك.
والجواب: أنّ المراد جعل الودّ أي خلقه في قلوب المؤمنين. قال ابن قتيبة: فإنّه ليس على تأوّلهم، وإنّما أراد أنّه يجعل لهم في قلوب العباد محبّة. فأنتترى المخلص المجتهد محبّبا إلى البرّ والفاجر، مَهيبا مذكورا بالجميل. ونحوه قوله تعالى في قصّة موسى عليه السلام:
«وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي».[٥] لم يرد في هذا الموضع أنّي أحببتك وإن كان يحبّه. وإنّما أراد أنّه حبّبه إلى القلوب وقرّبه من النفوس. فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون، حتّى استحياه في الوقت الذي كان يقتل فيه ولدان بني إسرائيل.[٦]
*** وقالوا في قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً».[٧] السُبات هو النوم، فكيف يجعل نومنا نوما؟
لكن السُبات هاهنا ليس بمعنى النوم، بل هو بمعنى الراحة، أي جعلنا النوم راحةً لأبدانكم. ومنه قيل: يوم السبت، لأنّ الخلق اجتمع في يوم الجمعة، وكان الفراغ منه يوم السبت. فقيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم ولاتعملوا شيئا، فسمّي يوم السبت أي يوم الراحة.
[١] - الدخان ٥٦: ٤٤.
[٢] - النساء ٢٢: ٤.
[٣] - تأويل مشكل القرآن، ص ٧٨.
[٤] - مريم ٩٦: ١٩.
[٥] - طه ٣٩: ٢٠.
[٦] - تأويل مشكل القرآن، ص ٧٩.
[٧] - النبأ ٩: ٧٨.