التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٣ - «كذلك و أورثناها بني إسرائيل»
وفي أيّامه اختلّ الأمن وسادت القلاقل وهلك سيتي بعد أن ملك مدّة قصيرة، وقد عُثر على جثّته في قبر «أمنهوتب» الثاني بطيبة. فانفرد الولاة كلٌّ بولايته، ومن ثَمَّ كثر وفود الأجانب على مصر.[١]
ولقد صدق اللّه سبحانه حيث يقول: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ. وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ. وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ».[٢]
«كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ»[٣]
هل ورثت بنو إسرائيل ديار مصر بعد غرق فرعون وجنوده؟
ليس في الآية تصريح بذلك، وإنّما هو الاستيلاء على ديارٍ كان ملوك مصرمسيطرين عليها، وليس على نحو الشمول. ففي سورة الأعراف- بعد أن ذكر قصّة الغرق- قال:
«وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها».[٤] والأرض المباركة هي أرض فلسطين والشامات.[٥] وهي عامرة بوفرة الخصب وكثرة الأرزاق. ومشارق الأرض ومغاربها إشارة إلى سلطان داود وسليمان على بني إسرائيل وأنّهما أقاما دولةً واسعة الأرجاء في فلسطين امتدّت إلى شرق البلاد وغربها في عرضٍ عريض.
وأمّا قوله تعالى: «كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ».[٦] فلعلّه أراد الفوضى التي حصلت بعد هلاك «سيتي» الثاني وتواترت وفود الأجانب على البلاد كما قدّمنا.[٧] وإن كان اريد بهم قوم إسرائيل فيحمل على إرادة أرض فلسطين كالآية السابقة.
[١] - المصدر.
[٢] - الدخان ٢٥: ٤٤- ٢٨.
[٣] - الشعراء ٥٩: ٢٦.
[٤] - الأعراف ١٣٧: ٧.
[٥] - جاء هذا التعبير بشأن أرض فلسطين وماوالاها في مواضع من القرآن: الإسراء ١: ١٧؛ الأنبياء ٧١: ٢١؛ الأعراف ١٣٧: ٧.
[٦] - الدخان ٢٨: ٤٤.
[٧] - راجع: دائرة معارف القرن العشرين، ج ٩، ص ٣٠.