التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٦ - أصحاب الكهف والرقيم!
فلمّا أن طغى عصيانهم وجاوزوا الحدّ أخذهم العذاب ودُمّروا تدميرا، سنّة اللّه جرت في الخلق، وقد أكّد عليه القرآن، وليس عن صدفة كما زعمه أصحاب الفكر الإسلامي الحديث! قال تعالى: «فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ».[١] ذكر ذلك تعالى بعد أنّ قصّ حديث قوم نوح وعاد وثمود. وقوم إبراهيم وقوم لوط، وأصحاب مدين وفرعون وموسى «فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ. ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ».[٢]
وتلك خرائب قرى لوط (بأرض فلسطين- على ضفاف البحر الميّت) لم تزل مشهودة للعرب المعاصر لنزول القرآن في رحلاتهم إلى الشام صباحا ومساءً «وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ».[٣] يرون ديارهم التي عفت وأضحت خرابا يبابا! ألا فليعتبروا ويحذروا أن يصيبهم مثل ما أصابهم، إن تمادوا في الغيّ والضلال البعيد!
أصحاب الكهف والرقيم!
قصّة أصحاب الكهف، تَعرض نموذجا للإيمان في النفوس المؤمنة. كيف تطمئنّ به، وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها، وتلجأ به إلى الكهف حين يعزّ عليها أن تعيش به مع الناس. وكيف يرعى اللّه هذه النفوس المؤمنة، ويقيها الفتنة، ويشملها بالرحمة.
وفي القصّة روايات شتّى وأقاويل كثيرة. فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتّى. ولكن يجب الوقوف فيها عند حدّ ما جاء في القرآن، فهو المصدر الوحيد المستيقن. ولتطرح سائر الروايات والأساطير التي اندسّت في التفاسير بلا سند.
وبخاصّة أنّ القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء أحد فيهم، وعن المراء والجدل رجما بالغيب «فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَ لا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً».[٤]
والكهف: المغارة الواسعة. والرقيم، قيل: إنّه معرّب «أركه/Arke » اليونانيّة أحد
[١] - الحج ٤٥: ٢٢.
[٢] - الحج ٤٤: ٢٢.
[٣] - الصافات ١٣٧: ٣٧- ١٣٨.
[٤] - الكهف ٢٢: ١٨.