التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٨ - الجن في تعابير القرآن
قلب الحقائق، وإنّما هي شعوذة وحيَل ووساوس خبيثة لا أكثر.
وأمّا إصابة العين فلم يتعرّض لها القرآن في شيء من تعابيره، سواء أكانت لها حقيقة أم لم تكن. وكذا مسّ الجنّ وما أشبه ممّا نعرضه بتفصيل:
الجنّ في تعابير القرآن[١]
من الغريب أن نرى بعض الكُتّاب الإسلاميّين يلهجون بما لاكه المستشرقون الأجانب من فرض التعابير الواردة في القرآن بشأن الجنّ، تعابير مستعارة من العرب توافقا معهم جَدَلًا كعامل تنفيذ في أوساطهم على سبيل المماشاة، لا على سبيل الحقيقة المعترَف بها. إذ يبعد اعتراف القرآن بما لايعترف العلم التجربي بوجوده أو سوف ينتهي إلى إنكاره رأسا. لكن ذلك لايوهن شأن القرآن بعد أن كان تعبيره بذلك ظاهريّا ومجاراةً مع القوم. وهكذا تعبيره عن السحر وإصابة العين تعبير ظاهري وليس على حقيقته.
قالوا: وهذا نظير تأثّره ظاهرا بالنظام الفلكي البطلميوسي والطبّ الجالينوسي القديمين، وقد رفضهما العلم الحديث.
قلت: أمّا اعتراف القرآن بوجود الجنّ إلى جنب الإنس واشتراكهما في الخلق والتكليف في نهاية المطاف، فممّا لايعتريه شكّ، ولا يسوغ لمسلم يرى من القرآن وحيا من السماء أن يرتاب في ذلك، فإنّ هناك وراء عالم الشهود كائناتٍ ملكوتية أعلى تُسمّى بالملائكة، واخرى أدنى تُسمّى بالجنّ. الأمر الّذي صرّح به القرآن الكريم بما لايدع مجالًا للريب فيه أو احتمال التأويل. «وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ».[٢] «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ».[٣] ويبدو أنّ خلق الجنّ كان قبل الإنس، حيث أمر إبليس وكان من الجنّ[٤] أن يسجد مع الملائكة لآدم، بعد أن خلقه من طين فأبى واستكبر وكان من الكافرين.[٥]
[١] - جاء التعبير بالجنّ في ٢٢ موضعا. والجانّ جمع الجنّ في ٧ مواضع. و الجِنّة في ٥ مواضع.
[٢] - الرحمان ١٥: ٥٥.
[٣] - الذاريات ٥٦: ٥١.
[٤] - الكهف ٥٠: ١٨.
[٥] - البقرة ٣٤: ٢.