التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٥ - قولة اليهود يد الله مغلولة
كلّ شيء قالوا: إذن يد اللّه مغلولة أي في حكم المقيّد لكونها فارغة.[١]
ويبدو من كثير من الآيات القرآنية التي واجهت اليهود بالذات دفعا لمزعومتهم أن لاتبديل بعد تقدير، أنّ هناك عقيدةً كانت تسود اليهود في عدم إمكان التغيير عمّا كان عليه الأزل. الأمر الذي يشي بجانب من قضية الجبر في الخلق والتدبير ممّا كانت عليه الامم الجاهلة، ومنهم بنو إسرائيل. فهناك في حادث تحويل القبلة اعترضت اليهود على هذا التحويل، فنزلت الآية «وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ».[٢]
قال ابنعبّاس: إنّ اليهود استنكروا تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة.
واختاره الجبّائى أيضا.[٣]
وبهذا الشأن أيضا نزلت الآية «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ».[٤]
قال العلّامة الطباطبائي: النسخ في الآية يعمّ التبديل في التشريع وفي التكوين معا وذلك نظرا لعموم التعليل في ذيل الآية، حيث علّل إمكان النسخ- وهو مطلق إزالة الشيء عمّا كان عليه وتبديله إلى غيره- بعموم القدرة أوّلًا، وبشمول ملكه للكائنات السماوية والأرضية جميعا.
قال: وذلك أنّ الإنكار المتوهّم في المقام أوالإنكار الواقع من اليهود- على ما نقل في شأن نزول الآية بالنسبة إلى معنى النسخ- يتعلّق من وجهين:
الأوّل: أنّ الكائن- سواء في التشريع أم في التكوين- إذا كان ذا مصلحة، فزواله يوجب فوات المصلحة التي كان يحتويها.
الثاني: أنّ الإيجاد إذا تحقّق أصبح الموجود ضرورةً لايتغيّر عمّا وقع عليه. فهو قبل
[١] - المفردات، ص ٣٦٣.
[٢] - البقرة ١١٥: ٢.
[٣] - مجمع البيان، ج ١، ص ١٩١.
[٤] - البقرة ١٠٦: ٢ و ١٠٧.