التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٠ - مطاعن رد عليها قطب الدين الراوندي
الشامخة في بني إسرائيل، ولقّبوه بابن اللّه، تكريما لمقامه الرفيع.
وجملة القول: أنّ اليهود ومازالوا يقدّسون «عُزيرا» هذا، وأدّى هذا التقديس إلى أن يطلقوا عليه لقب «ابن اللّه» تكريما. ولعلّه وفي الأدوار اللاحقة زعم بعضهم أنّه لقبٌ حقيقي، كما نقل عن فيلسوفهم «فيلو»- وهو قريب من فلسفة وثنيي الهند التي هي أصل عقيدة النصارى- كان يهوديّا من الإسكندرية ومعاصرا للمسيح عليه السلام. كان يقول: إنّ للّه ابنا هو كلمته التي خلق منها الأشياء. ومنه اتّخذ النصارى هذا اللقب للمسيح عليه السلام.
قال الشيخ محمّد عبده: فعلى هذا لايبعد أن يكون بعض المتقدّمين على عصر البعثة المحمّديّة قد قالوا: إنّ عُزيرا ابن اللّه بهذا المعنى.[١]
قال الطبرسي: قيل: وإنّما قال ذلك جماعة من قبل وقد انقرضوا.[٢] وهكذا قال الراوندى: قالت طائفة من اليهود: عُزير ابن اللّه. ولم يقل ذلك كلّ اليهود. وهذا خصوص خرج مخرج العموم.[٣]
وقد روي عن ابن عبّاس قال: أتى رسول اللّه صلى الله عليه و آله سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وأبوأنس وشاس بن قيس ومالك بنالصيف- من وجوه يهود المدينة- فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قبلتنا ولاترى عُزيرا ابْنا للّه وقد أعاد علينا التوراة بعد الاندراس وأحيا شريعتنا بعد الانطماس؟![٤]
ومع ذلك: فإنّ القرآن ينسب إليهم هذا القول تعنّتا وجدلًا منهم، وليس على حقيقته:
«ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ».[٥] حيث نسبوا إلى اللّه البنات وزعموا أنّ الملائكة إناثا، قولًا بلاهوادة، وعقيدة من غير مستند.
قال محمّد عبده: وقد جرى اسلوب القرآن على أن ينسب إلى امّةٍ أو جماعةٍ أقوالًا وأفعالًا مستندة إليهم في جملتهم، وهي ممّا صدر عن بعضهم. والمراد من هذا الأُسلوب
[١] - تفسير المنار، ج ١٠، ص ٣٢٦ و ٣٢٨.
[٢] - مجمع البيان، ج ٥، ص ٢٣.
[٣] - الخرائج والجرائح، ج ٣، ص ١٠١٤.
[٤] - جاء ذلك في حديثين عن ابن عبّاس، نقلهما الطبري في التفسير، ج ١٠، ص ٧٨.
[٥] - التوبة ٣٠: ٩.