التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٦ - أقسام السحر
أنفسهم من الحكّام.[١]
مساكين! لايمكنهم الدفاع عن أنفسهم فكيف القدرة على قهر الطبيعة وقلبها؟!
والعجب من الاستاذ وجدي أصاخ بكلّ مسامعه واستسلم لما سطّره ابنخلدون من قدرة الساحر على تسخير الكائنات وسلطته على الأفلاك- وحسبها ذوات أنفس وأجرام-[٢] والكواكب- حسبوها ذوات عقول ومدبّرات لما يجري على الأرض- والجنّ والقوى الروحانية، فسخّروها جُمَعَ للتأثير على قلب عناصر المادّة والتصرّف في العالم العلوي والعالم السفلي جميعا. يا لها من مخرقة وإن شئت فسمّها مهزلة!! وهناك حكايات وروايات أكثرها تنمّ عن قوّة التخييل أو هي أكاذيب وأباطيل. وأمّا أصحاب التمائم والنَفْث في العُقَد فإنّما هم أصحاب النمائم وإيحاء الوساوس للتفرقة بين الزوجين أو المتحابّين، و لايتأتّى منه غير الإفساد في الأرض، فيتعمّلون ما يضرّهم من غير أن ينفعهم شيئا حسبما وصفهم القرآن الكريم.
نعم هنا شيء لاننكره نبّهنا عليه، وهو: أنّ للنفوس البشرية قدرة خارقة يمكن تنميتها بالارتياض إمّا في وجهة رحمانية رفيعة أو في وجهة أرضية هابطة. والاولى رياضة النفس يقوم بها الأنبياء والأولياء والصلحاء فيفوزون بمقامات عالية، وربّما تتسخّر لهم الكائنات. وأمّا الوجهة الاخرى الهابطة فيقوم بها أصحاب الارتياض بترك المشتهيات ولذائذ الحياة في أشقّ الأحوال وأصعب الأعمال التي لم يأت بها اللّهُ من سلطان، ولكنّهم قهروا أنفسهم على نبذ الشهوات واللذائذ وانخلعوا عن زخارف الحياة.
وهو عملٌ له قيمته ووزنه في ترك الدنيا الدنية، وحيث لم يكن لهم نصيب في الحياة الاخرى الخالدة فقد يمنحه تعالى منحة تقتنع أنفسهم بها تجاه ما تحمّلوا من مشاقّ الحياة. الأمر الذي قد نشاهده من خوارق على يد مرتاضي الهند وغيرها من بلاد، ولكن
[١] - مقدمة ابنخلدون، ص ٥٠٠- ٥٠١.
[٢] - وهي دوائر وهمية يرسمها العقل لكلّ نقطة دائرة ترسيما في فرض لا في واقع الأمر. نعم ذهب جمع من الأقدمين إلى فرض الأفلاك أجراما شاعرة ذوات عقول ونفوس. ولها شأن في تدبير العوالم السفلى تدبيرا عن علمٍ وإرادة، ومن ثمّ جاز تسخيرها في جهة مقاصد السوء!!