التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٥ - استعارة تخييلية
قال: وهذا نظير قوله تعالى: «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ».[١] لأنّه لمّا وصفها بما هو خاصّ بالعقلاء وهو السجود أجرى عليها حكمهم كأنّها عاقلة. وهذا كثيرٌ شائعٌ في كلام العرب أن يلابس الشيء بشيءٍ من بعض الوجوه، فيعطى حكما من أحكامه، إظهارا لأثر الملابسة والمقاربة.[٢]
وكذا قوله: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ».[٣]
عبّر ب- «مَنْ»- وهو لذوي العقول- بنفس الاعتبار. ولذلك جاء الجمع، جمع المؤنّث السالم.
وعلى نفس الغرار جاء قوله تعالى: «وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ»[٤] ضمير جمع المؤنّث حيث تشبيه الجبال بالمسبّحات.
قال الزمخشري في قوله تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»[٥]: الضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع كلّ يوم وليلة.
جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها وهو السبب في جمعهما بالشموس والأقمار.
قال: وإنّما جعل الضمير «واو» العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.[٦]
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: «فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ».[٧]
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف صحّ مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق؟ قلت:
أصلُ الكلام فظلّوا لها خاضعين، فاقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع ... أو لمّا وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل: خاضعين، كما تقدّم في قوله «لِي ساجِدِينَ» من سورة يوسف. وقيل: أعناق الناس رؤساؤهم ومقدّموهم، شبّهوا بالأعناق كما قيل لهم: هم الرؤوس والنواصي والصدور. قال شاعرهم:
|
ومشهد قد كفيت الغائبين به |
في محفل من نواصيالقوم مشهود |
|
[١] - يوسف ٤: ١٢.
[٢] - الكشّاف، ج ٢، ص ٤٤٤.
[٣] - النور ٤١: ٢٤.
[٤] - الأنبياء ٧٩: ٢١.
[٥] - الأنبياء ٣٣: ٢١.
[٦] - الكشّاف، ج ٣، ص ١١٥.
[٧] - الشعراء ٤: ٢٦.