التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٦ - القصة في القرآن حقيقة واقعة
طريقة الخطابة في البيان. وبعضهم أجاز كونها تمثيلات مجرّدة تقريبا للمطالب إلى الأذهان ... ولعلّ هذا إفراط بشأن القرآن!
يقول محمد أحمد خلف اللّه: القرآن يجري في فنّه البياني على أساس ما كانت تعتقد العرب وتتخيّل، لا على ما هو الحقيقة العقليّة، ولا على ما هو الواقع العملي. فهو حينما يتحدّث عن الجنّ وعن عقيدة المشركين فيهم وأنّهم يستمعون إلى السماء ليعرفوا أخبارها ثمّ يقومون بعد ذلك بإلقاء هذه الأخبار على الكهنة، وكان الكهنة يدّعون الإطلاع على الغيب ومعرفة الأسرار في كلّ ذلك يجرى على هذا المذهب.
جاء في تفسير الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: «إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ»[١] ما يلي: «وأمّا تشبيه هذا الطلع برؤوس الشياطين ففيه سؤال، لأنّه قيل إنّا ما رأينا رؤوس الشياطين، فكيف يمكن تشبيه شيء بها؟ وأجابوا عنه بوجوه، الأوّل- وهو الصحيح-: أنّ النّاس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة، واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح والتشويه في الصورة والسيرة، فكما حسن التشبيه بالملك عند تقرير الكمال والفضيلة في قوله «إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ»[٢] فكذلك وجب أن يحسن التشبيه برؤوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة».[٣]
وجاء في الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى: «لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ»[٤] ما يأتي: «لا يقومون إذا بُعثوا من قبورهم إلّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان أي المصروع. وتخبّط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. والخبط: الضرب على غير استواء، كخبط العشواء. فورد ما كانوا يعتقدون.
والمسّ: الجنون، ورجل ممسوس، وهذا أيضا من زعماتهم وأنّ الجنّي يمسّه فيختلط عقله، وكذلك جُنّ الرجل، ضربته الجنّ. ورأيتهم لهم في الجنّ قصص وأخبار
[١] - الصافّات ٦٤: ٣٧- ٦٥.
[٢] - يوسف ٣١: ١٢.
[٣] - التفسير الكبير، ج ٢٦، ص ١٤٢.
[٤] - البقرة ٢٧٥: ٢.