التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠ - الطوفان ظاهرة طبيعية حيث أرادها الله
طوفانا سيجرف جميع المخلوقات. وعلى ذلك حفظ «مانو» السمكة في «المرتبان». فلمّا كبرت السمكة أخبرت «مانو» عن السنة التي سيأتي فيها الطوفان، ثمّ أشارت عليه أن يصنع سفينة كبيرة، ويدخل فيها عند طغيان الماء، قائلةً: أنا أنقذك من الطوفان. فمانو صنع السفينة، والسمكة كبرت أكثر من سعة «المرتبان»، لذلك ألقاها «مانو» في البحر. ثمّ جاء الطوفان كما أنبأت السمكة. وحين دخل «مانو» السفينة، عامت السمكة إليه، فربط السفينة بقرن على رأس السمكة، فجرّتها إلى الجبال الشمالية. وهنا ربط «مانو» السفينة بشجرة. وعندما تراجع الماء وخفّ، بقي «مانو» بوحدته.[١]
فذلكة الكلام: إنّ فيما أنبأت به الامم وحدّثت به الأجيال من حوادث جوّية خطيرة داهمت الحياة البشرية الاولى وكان فيها الهلاك والدمار ومنها حادث الطوفان في كرّات ومرّات لَيُشْرفْ بالاطمئنان على تحقّق الحادث إجماليّا ولو لم يكن بذلك الشكل الأساطيري المنقول، شأن سائر القصص البائدة حيكت حولها مخاريف، الأمر الذي لايوجب إنكارها من رأس. ولاسيّما أنّ مثل حادث الطوفان كان طبيعيّا أن يهاجم حياة الإنسان ويواجهه بالنكبات في الأيام الاولى بكثرة، ولايزال ينتاب وجه الأرض بعد حينٍ وآخر.
وربما كان من أعظمها وأشملها طوفان نوح، عمّ المنطقة ودمّر وأباد. هذا شيءٌ لامساغ لإنكاره، بعد كونه طبيعيّا وأخبر به الصادق الأمين.
أمّا الزيادات التي جاءت في الأساطير القديمة ونقلتها التوراة على علّاتها فهذا شيءٌ نستخلص منه وننبذه كما نبذه القرآن واستخلص الحادث صافيا جليّا. الأمر الذي اختصّ به القرآن وكان نبأً غيبيّا لايعلمه أيّ إنسان ذلك الحين. «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا».[٢]
[١] - راجع: قصص الأنبياء للنجّار، ص ٤٦- ٤٧.
[٢] - هود ٤٩: ١١.