التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٤ - القصة في القرآن حقيقة واقعة
حكاية حال واقعة ... بيانا لفطرة الإنسان على التوحيد:
الإنسان، في جبلّته مفطور على الإقرار بالتوحيد. كما في الحديث المستفيض عن النبي صلى الله عليه و آله: «كلّ مولود يولد على الفطرة ...».[١] وهو المعني أيضا بقوله تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها».[٢] وهكذا قوله تعالى: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ».[٣] إشارة إلى العهد المودع في فطرة الإنسان. وكلّ إنسان إذا راجع ضميره وجد هذا العهد جليّا بأسطره الواضحة. ومن ثمّ صرّح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الأنبياء إنّما بُعثوا ليثيروا دفائن العقول،[٤] فدلائل التوحيد لائحة في عقول بني الإنسان لو لا تراكم الغبار عليه.
وهكذا كانت العقول حجج اللّه الباطنة، وكان الأنبياء الحجج الظاهرة جاؤوا لدعم العقول.[٥] قال الإمام الكاظم عليه السلام: «إنّ اللّه تبارك وتعالى أكمل للنّاس الحجج بالعقول».[٦]
وهذا هو العهد الذي عاهد اللّهُ الإنسان عليه، معنيّا به الفطرة التي فطر الناس عليها.
كناية عن العقول التي ركّبت في ذوات الأنفس.
أمّا ما حسبه البعض من إرادة «عالم الذرّ»- حسبما جاء في بعض التفاسير- وأنّ اللّه أخرج ذرّيّة آدم من صلبه وأشهدهم على ربوبيّته ... فهذا شيء لا مساس له بالآية الكريمة. ولا كانت الآية مشيرة إليه، بل ومنافاته مع ظاهر التعبير، حيث قوله تعالى: «مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ»، وليس من ظهره فحسب.
القصّة في القرآن حقيقة واقعة
سبق أن نبّهنا أنّ القصّة في القرآن هي حكاية عن أمر واقع، كانت تجربة مرّت على حياة الإنسان، إن زاهية أو مريرة، لغرض الاعتبار بها، ولا اعتبار بما فرضه الوهم أو
[١] - بحار الأنوار، ج ٣، ص ٢٨١، رقم ٢٢، عن غوالي اللئالي، ج ١، ص ٣٥، رقم ١٨.
[٢] - الروم ٣٠: ٣٠.
[٣] - يس ٦٠: ٣٦- ٦١.
[٤] - في اولى خطبة من نهج البلاغة.
[٥] - راجع: الكافي، ج ١، ص ١٦ حديث هشام.
[٦] - المصدر: ص ١٣.