التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦ - ميزات الإنسان الفطرية
فقد شرّفه اللّه بأن خلقه بيديه: «ما مَنَعَكَ (خطابا لإبليس) أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ».[١] واللّه خالق كلّ شيء. فلا بدّ أن تكون هناك خصوصيّة في خلق هذا الإنسان تستحقّ هذا التنويه. هي خصوصيّة العناية الربّانيّة بهذا الكائن، وإيداعُه نفخةً من روح اللّه دلالةً على هذه العناية!
قال العلّامة الطباطبائي: نسبة خلقه إلى اليد تشريف بالاختصاص كما قال: «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي».[٢] وتثنية اليد كناية عن الاهتمام البالغ بخلقه وصنعه، ذلك أنّ الإنسان إذا اهتمّ بصنع شيء استعمل يديه معا عناية به.[٣]
وهكذا نفخة الروح الإلهيّة فيه كناية عن جانب اختصاص هذا الإنسان- في أصل فطرته- بالملأ الأعلى حتّى ولو كان متّخذا- في جانب جسده- من عناصر تربطه بالأرض، فهو في ذاته عنصر سماوي قبل أن يكون أرضيّا.
ولقد خلق الإنسان من عناصر هذه الأرض ثُمَّ من النفخة العلويّة التي فرّقت بينه وبين سائر الأحياء. ومنحته خصائصه الإنسانيّة الكبرى. وأوّلها القدرة على الارتقاء في سلّم المدارك العليا الخاصّة بعالم الإنسان.
هذه النفخة هي التي تصله بالملأ الأعلى، وتجعله أهلًا للاتصال باللّه، وللتلقّي عنه ولتجاوز النطاق المادّي الذي تتعامل فيه العضلات والحواسّ، إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول. والتي تمنحه ذلك السرّ الخفيّ الذي يسرب به وراء الزمان والمكان، ووراء طاقة العضلات والحواسّ، إلى ألوان من المدركات وألوان من التصوّرات غير المحدودة في بعض الأحيان.[٤]
و بذلك استحقّ إيداعه أمانة اللّه التي هي ودائع ربّانية لها صبغة ملكوتية رفيعة أودعت هذا الإنسان دون غيره من سائر المخلوق. وتتلخّص هذه الودائع في قدرات
[١] - ص ٧٥: ٣٨.
[٢] - الحجر ٢٩: ١٥.
[٣] - الميزان في تفسير القرآن، ج ١٧، ص ٢٣٩.
[٤] - من إفادات سيّد قطب، راجع: في ظلال القرآن، ج ١٤، ص ١٧، المجلد ٥، ص ٢٠٣.