التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٣ - سبع سماوات علا
ويبدو أنّ هذا الفضاء الواسع الأرجاء- بما فيه من أنجم زاهرة وكواكب مضيئة لامعة- هي السماء الاولى الدنيا، ومن ورائها أفضيةٌ ستٌّ في أبعادٍ مترامية، هي مليئة بالحياة لايعلم بها سوى صانعها الحكيم. «وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».[١]
والعقل لايفسح المجال لإنكار مالم يبلغه العلم، وهو في بدء مراحله الآخذة إلى الكمال.
نعم، يزداد العلم يقينا- كلّما رصد ظاهرة كونية- أنّ مابلغه ضئيل جدّا بالنسبة إلى ما لم يبلغه، وتزداد ضآلةً كلّما تقدّم إلى الأمام. حيث عظمة فسحة الكون تزداد ابّهةً وكبرياءا كلّما كُشف عن سرٍّ من أسرار الوجود وربما إلى غير نهاية، لاسيّما والكون في اتّساع مطّرد: «وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ».[٢]
هذا وقد حاول بعضهم- في تكلّفٍ ظاهر- التطبيق مع مابلغه العلم قديما وفي الجديد من غير ضرورة تدعو إلى ذلك. ولعلّ الأناة، حتّى يأتي يوم يساعد التوفيق على حلّ هذا المجهول من غير تكلّفٍ، كانت أفضل.
يقول سيد قطب: لاضرورة لمحاولة تطبيق هذه النصوص على مايصل إليه علمنا، لأنّ علمنا لايحيط بالكون حتّى نقول على وجه التحقيق: هذا مايريده القرآن. ولن يصحّ أن نقول هكذا إلّا يوم يعلم الإنسان تركيب الكون كلّه علما يقينيّا، وهيهات ...[٣]
وإليك بعض محاولات القوم: حاول بعض القدامى[٤] تطبيق التعبير الوارد في القرآن على فرضيّة بطلميوس لهيئة الأفلاك التي هي مدارات الكواكب فيما حسبه حول الأرض.[٥] ولكن من غير جدوى. لأنّ الأفلاك في مزعومته تسعة، ومن ثَمَّ أضافوا على
[١] - الإسراء ٨٥: ١٧.
[٢] - الذاريات ٤٧: ٥١.
[٣] - في ظلال القرآن، ج ٢٨، ص ١٥٢.
[٤] - وقد عارضهم أبوالحسن الرّماني ٢٩٦- ٣٨٤ قائلًا: السماوات غير الأفلاك، لأنّ الأفلاك تتحرّك وتدور- حسب مفروضهم- وأمّا السماوات فلا تتحرّك ولاتدور.( التبيان في تفسير القرآن، ج ١، ص ١٢٧).
[٥] - زعموا أنّ الأرض في مركز العالم، وأنّ القمر وعطارد والزهرة والشمس والمرّيخ والمشتري وزُحل سيّارات حولها، في مدارات هي أفلاك متراكبة بعضها فوق بعض بنفس الترتيب. وكلّ واحدٍ منها في فلكٍ دائر حول الأرض من الغرب إلى الشرق في حركةٍ معاكسةٍ لحركتها اليومية من الشرق إلى الغرب على أثر تحريك الفلك التاسع، المسمّى عندهم بفلك الأفلاك أو بالفلك الأطلس، لعدم وجود نجم فيه وأمّا النجوم الثوابت فهي مركوزة في الفلك الثامن. فهذه تسعة أفلاك محيطة بالأرض بعضها فوق بعض.
وهكذا جاء في إنجيل برنابا من كلام المسيح عليه السلام: أنّ السماوات تسع، فيها السيّارات، وتبعد إحداها عن الاخرى مسيرة خمسمائة عام.
ولمّا ترجمت فلسفة اليونان إلى العربية، ودرسها علماء الإسلام وثقوا بأنّ الأفلاك تسعة، وقال بعضهم: هي سبع سماوات، والكرسي فلك الثوابت، والعرش هو الفلك المحيط.
والغريب أنّ مثل محيي الدين ابنعربي اغترّ بهذه الغريبة وحسبها حقيقة وبنى عليها معارفه الإشراقية فيما زعم. راجع: الفتوحات المكية، الباب ٣٧١ والفصل الثالث منه، ج ٣، ص ٤١٦ و ٤٣٣. وكذا الفصّ الإدريسى من فصوص الحكم، ج ١، ص ٧٥. وهكذا شيخنا العلّامة بهاءالدين العاملي في كتابه تشريح الأفلاك، وهو عجيب!
ولقد أعجبني كلام أبيالحسن علي بنعيسى الرّمّاني المعتزلي في تفسير الآية، حيث أنكر إرادة الأفلاك البطلميوسيّة من السماوات السبع في القرآن، محتجّا بأنّه تفسير يخالف ظاهر النصّ. راجع: التبيان في تفسير القرآن، ج ١، ص ١٢٧.