التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤٦ - كورش هو ذلك العبد الصالح
بدافع إلهي ... أوّلًا: أصالة نزعته الإلهيّة ... وثانيا: ثقته النفسيّة اعتمادا على ما مكّنه اللّه تعالى من القوّة والسطوة وقدرته الفائقة على إخضاع كلّ الصعاب.[١]
ويقول «ول ديورانت»: كان كورش من الحكّام الذين خلقوا ليكونوا حكّاما، والذين يقول فيهم «إمرسن»: كان الناس يبتهجون عندما يرون هؤلاء يتوّجون. فلقد كان مَلِكا بحقٍّ في روحه وأعماله، قديرا في الأعمال الإداريّة والفتوح الخاطفة المحيّرة، كريما في معاملة المغلوبين، محبوبا لدى أعدائه السابقين، فلا عجب والحالة هذه أن يتّخذ اليونان منه موضوعا لعدّة روايات بطوليّة وأن يصفوه بأنّه أكبر أبطال العالم.[٢]
كان وسيما بهيّ الطلعة- وقد اتّخذه الفرس نموذجا للجمال البشري حتى آخر أيّام فنونهم القديمة-[٣] وأنّه أسّس الاسرة الهخامنشيّة اسرة الملوك العظام التي حكمت بلاد الفرس في أزهى أيّامها وأعظمها شهرة، وأنّه نظّم قوّات ميديا وفارس الحربيّة، فجعل منها جيشا قويّا لا يُقهر، وأنّه استولى على سرديس (سارد) وبابل، وقضى على حكم الساميّين في غربيّ آسيا، فلم تقم له بعدئذٍ قائمة مدى ألف عام كاملةً، وضمّ إلى الدولة الفارسيّة كلّ البلاد التي كانت من قبل تحت سلطة آشور وبابل وليديا وآسيا الصغرى، حتى أصبحت تلك الإمبراطوريّة أوسع المنظّمات السياسيّة في العالم القديم ومن أحسنها حكما في جميع عصور التاريخ.
ويبدو- على ما نستطيع أن نتصوّره فيما يحيط به من سُدُم الأساطير- أنّه (كورش) كان أحبّ الفاتحين إلى النفوس، وأنّه أقام دولته على قواعد من النُبل وكريم السجايا، وأنّ أعداءه كانوا يعرفون عنه لين الجانب فلم يحاربوه بتلك القوّة المستيئسة التي يحارب بها الرجال حين لا يجدون بدّا من أن يَقْتُلوا أو يُقْتَلوا ...
[١] -« أنگيزههاى متعدّدى داشت، يكى اصل و تبار إيزدى وى، ديگر پيروزيهاى پى در پى ...». تاريخ هيرودت، ص ٩٩.
[٢] - قصة الحضارة، ج ٢، ص ٤٠٣.
[٣] - يبدو من وصف« ول ديورانت» عن الشعب الفارسي أنّهم كانوا أجمل شعوب الشرق الأدنى في الزمن القديم، فالآثار الباقية من عهدهم تُصوّرهم شعبا معتدل القامات قويّ الأجسام، قد وهبتهم طبيعة البلاد شدّة وصلابة، ولكن ثروتهم الطائلة رقّقت طباعهم، وهم ذوو ملامح متناسبة متناسقة، شمّ الانوف، تبدو على وجناتهم سمات النبل والروعة- ثمّ يأتي في وصف ملابسهم الجميلة ذوات وقار وإكبار ... قصّة الحضارة- تاريخ الشرق القديم، ج ٢، ص ٤١٠.