التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٣ - ٨ -«وجدها تغرب في عين حمئة»
الحمأ: الطين النتن الذي تغيّر لونه إلى السواد، يرسب تحت المياه الراكدة وعلى ضفافها ... وحمإٍ مسنون:[١] منتن. وقرئ: «عينٍ حامية» أي دافئة (حارّة).
قال المفسّرون: أراد ذوالقرنين أن يبلغ بلاد المغرب. فاتّبع طريقا توصله إليها، حتّى إذا انتهى من جهة المغرب بحيث لم يستطع تجاوزه ووقف على حافّة البحر الأطلانطي (المحيط الأطلسي) وجد الشمس تغرب في بحر خضمٍّ يضرب ماؤه إلى سواد الخضرة، وكان معروفا عند العرب ببحر الظلمات، فقد سار إلى بلاد تونس ثم مراكش ووصل إلى البحر المحيط، فوجد الشمس كأنّها تغيب فيه وهو أزرق اللون يضرب إلى السواد، كأنّه حمِئة.[٢]
والمراد بالعين: لجّة الماء، حيث البحر الواسع الأرجاء لا تُرى له نهاية.
قال سيّد قطب: والأرجح أنّه كان عند مصبّ أحد الأنهار،[٣] حيث تكثر الأعشاب ويتجمّع حولها طين لزج هو الحمأ. وتوجد البِرَك وكأنّها عيون الماء ... فرأى الشمس تغرب هناك «و جدها تغرب في عين حمئة».[٤]
قلت: وسوف يأتي عندالكلام عن ذيالقرنين- وأنّه كُورُش الهخامنشي على الأرجح- أنّه في فتوحاته غربا في آسيا الصغرى توقّف على المنطقة التي تسمّى باسم:
إقليم أيونيّة، وهوالإقليم الغربي من قارّة آسيا الصغرى المطلّ على مضيق الدردنيل و بحر إيجه ومايلاصق الساحل من جزر و أشباه جزر. حين توقّف كورش عند شواطىء بحر إيجه- وهي جزء من سواحل تركيا على البحرالمتوسّط- وجد الشاطىء كثير التعاريج.
حيث تتداخل ألسنة البحر داخل اليابس، و من أمثلة هذه الألسنة البحريّة خليج هرمس و مندريس الأكبر و مندريس الأصغر ... ويتعمّق خليج «أزمير» إلى الداخل بمقدار ١٢٠ كم، تحيط به الجبال البللورية من الغرب إلى الشرق على حافّتيه، بحيث يتّخذ شكل العين، و يصبّ فيه نهر «غديس» المياه العكرة المحمّلة بالطين البركاني و التراب الأحمر
[١] - في قوله تعالى:« إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ»، الحِجر ٢٨: ١٥. وراجع الآية ٢٦ و ٣٣ من نفس السورة.
[٢] - راجع: تفسير المراغي، ج ١٦، ص ١٦.
[٣] - أحد معاني العين، مصبّ ماء القناة.
[٤] - في ظلال القرآن، ج ١٦، ص ٦، المجلّد ٥، ص ٤٠٩.