التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٢ - ٥ -«و السماء ذات البروج»
لايعرفون من أطباق السماء شيئا، فكيف يُعرض عليهم دليلًا على إتقان صنعه تعالى؟
(الآية في سورة نوح والخطاب عن لسانه موجَّه إلى قومه).
وهكذا قوله تعالى: «أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنَّاها وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ».[١]
وقوله: «الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ».[٢]
قلت: هذا بناء على تفسير الطباق بذات الطبقات.
هكذا فسّره المشهور: طباقا، واحدة فوق اخرى كالقباب بعضها فوق بعض.[٣]
لكنّ الطباق هو بمعنى الوفاق والتماثل في الصنع والإتقان، بدليل تفسيره بقوله تعالى: «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ». أي كلّها في الصنع والاستحكام متشاكل.
وقد أشرب هنا معنى الالتحام والتلاصق التامّ بين أجزائها مرادا به الانسجام في الخلق. بدليل قوله تعالى: «هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ» أي انشقاق وخلل وعدم انسجام. وكذا قوله: «وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ» أي منفرجات وخلآت توجب فصل بعضها عن بعض بحيث تضادّ النظم القائم. الأمر الذي يستطيع كلّ إنسان- مهما كان مبلغه من العلم- من الوقوف عليه إذا تأمّل في النظم الساطي على السماوات والأرض.
٥- «وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ»[٤]
«وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ».[٥] «تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً».[٦] أو هل تعني البروج هذه ما تصوّره الفلكيّون بشأن
[١] - ق ٦: ٥٠.
[٢] - الملك ٣: ٦٧.
[٣] - راجع: مجمع البيان، ذيل الآية من سورة الملك والآية من سورة نوح، ج ١٠، ص ٣٢٢ و ٣٦٣؛ وروح المعاني للآلوسي، ج ٢٩، ص ٦ و ٧٥؛ وتفسير المراغي، ج ٢٩، ص ٦ و ٨٥ ... وغيرها.
[٤] - البروج ١: ٨٥.
[٥] - الحِجر ١٦: ١٥.
[٦] - الفرقان ٦١: ٢٥.