التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٠ - عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون
العربية وللشؤون المصرية بالذات.
لقد جاء في الآية التي يستشهد بها مايلي: «ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ».[١]
وكلمة «يُغاث» تحتمل أن تكون من «الغوث»- وهو النصرة- أو من «الغيث» أي المطر. «فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ»[٢] أي استنصره. ومن ثم جاء في تفسير الآية «عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ» أي يُنْجى الناسُ من الجدب ومحنة القحط. قالوا:
ويكون من قولهم: أغاثه اللّه، إذا أنقذه من كربٍ أو غمّ. ومعناه: يُنْقَذُ الناس فيه من كرب الجدب. وقوله «وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ» أي يعصرون السمسم دهنا والعنب خمرا والزيتون زيتا.
وهذا يدلّ على ذهاب الجدب وحصول الخصب ووفور الخير.[٣]
أمّا لو اخذت من «الغيث» أي المطر فيكون المعنى: فيه يُمْطَرُون. غير أنّ بلاد مصر العليا تنعم بغزارة الأمطار في أربعة أشهر متتالية في فصل الشتاء. فالمصريّون الّذين يعيشون في الصعيد في الدلتا يعلمون جيّدا أنّ الأمطار تتساقط بغزارة خلال فصل الشتاء أي خلال أربعة أشهر (من ديسمبر إلى مارس). وأنّ زراعة القمح والبُرس والشعير والفول وأمثالها تعتمد أساسا على الأمطار الّتي تتساقط هذه الفترة. الأمر الذي يجهله أمثال «نولدكه» من المتخصّصين في الدراسات العربية الإسلامية، وهو لم تطأ قدمه بعدُ البلدان الإسلامية ولم يغادر اوربا طوال عمره (١٨٣٦- ١٩٣١ م). فلا غرو أن يخطأ «نولدكه» خطأً مزدوجا، فهو لم يفهم النصّ العربي للآية. ثم إنّه يؤكّد أنّ المطر يكاد ينعدم في مصر، وأهلُها لم يشعروا أبدا باحتياجهم له! وهو الخطأ الذي لايقع فيه أحد من صبية مصر! على حدّ تعبير الاستاذ بدوي.[٤]
والعجب أنّه لم يطّلع على ماكتبه «سالSale » في ترجمة القرآن التي أنجزها
[١] - يوسف ٤٩: ١٢.
[٢] - القصص ١٥: ٢٨.
[٣] - راجع: التفسير الكبير، ج ١٨، ص ١٥١.
[٤] - معدّل الأمطار التي تسقط في الإسكندريّة وشمال الدلتا يقدّر به ٢٠٦ ملم، وفي القاهرة ٣٣ ملم. انظر:L .S .Suggate .Africa ,London ,Harap ,٤٧٩١ ( الدفاع عن القرآن، ص ١٨٧- ١٨٨).