التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠١ - تحرير الرقيق تدريجيا
قتل حرّا بعبدٍ قَتَله عمدا.[١]
وروى أنّ علي بنالحسين عليه السلام ضرب مملوكا ثُمَّ دَخَل إلى منزله فأخرج السوط، ثُمَّ تجرّد له، قال: اجلد علي بنالحسين فأبى، فأعطاه خمسين دينارا.[٢]
وبذلك قد أصبح الرقيق كائنا إنسانيّا له كرامة يحميها القانون، ولايجوز الاعتداء عليها بالقول ولا بالفعل. فأمّا القول فقد نهى الرسول، السّادة عن تذكير أرقّائهم بأنّهم أرقّاء وأمرهم أن يخاطبوهم بما يشعرهم بمودّة الأهل، وينفي عنهم صفة العبوديّة، وقال لهم في معرض هذا التوجيه: «إنّ اللّه ملّككم إيّاهم، ولو شاء لملّكهم إيّاكم».[٣] فهي إذن مجرّد ملابسات عارضة جعلت هؤلاء رقيقا، وكان من الممكن أن يكونوا سادة لمن هم اليوم سادة! وبذلك يغضّ من كبرياء هؤلاء، ويردّهم إلى الآصرة البشريّة التي تربطهم جميعا، والمودّة التي ينبغي أن تسود علاقات بعضهم ببعض.
وأمّا الاعتداء الجسدي فعقوبته الصريحة هي المعاملة بالمثل، «من افترى على مملوك عزّر ..» و «من جدع عبده جدعناه ...». وهو مبدأ صريح الدلالة على المساواة الإنسانيّة الكاملة بين الرقيق والسّادة، وصريح في بيان الضمانات التي يحيط بها حياة هذه الطائفة من البشر- التي لايخرجها وضعها العارض عن صفتها البشريّة الأصيلة- وهي ضمانات كاملة ووافية. تبلغ حدّا عجيبا لم يصل إليه قطّ تشريع آخر من تشريعات الرقيق في التاريخ كلّه، لاقبل الإسلام ولابعده، إذ جعل مجرّد ضرب العبد- في غير التأديب-[٤] مبرّرا قانونيّا لتحرير الرقيق!![٥]
[١] - تهذيب الأحكام، ج ١٠، ص ١٩٢، رقم ٧٥٧؛ والاستبصار، ج ٤، ص ٢٧٣، رقم ١٠٣٥؛ ووسائل الشيعة، ج ٢٩، ص ٩٨، رقم ٩، وحمله الشيخ على متعوّد القتل. وفي الخلاف ج ٢، ص ٣٤٢ كتاب الجنايات، مسألة ٤: لايقتل حرٌّ بعبد، وذلك إجماع الأصحاب.
[٢] - بحارالأنوار، ج ٧١، ص ١٤٣، رقم ١٦.
[٣] - ذكره أبو حامد الغزالي في كتاب« إحياء علوم الدين» ج ٢، ص ٢١٩ في الكلام عن حقوق المملوك. وراجع: المحجّة البيضاء للفيض الكاشاني، ج ٣، ص ٤٤٤.
[٤] - وللتأديب حدود مرسومة لايتعدّاها، ولا يتجاوز على أيّ حالٍ ما يؤدّب السيّد أبناءه.
قال زرارة بنأعين: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أصلحك اللّه، ماترى في ضرب المملوك؟ قال: ما أتى فيه على يديه- أي من غير تقصير- فلا شيء عليه. وأمّا ما عصاك فيه فلا بأس. فقلت: كم أضربه؟ قال: ثلاثة، أربعة، خمسة. رواه البرقي في المحاسن، ج ٢، ص ٤٦٥، باب ١١، رقم ٢٦١٣/ ٨٦؛ والبحار، ج ٧١، ص ١٤١، رقم ١٠.
[٥] - قال أبوجعفر الباقر عليه السلام: إنّ أبي علي بنالحسين عليه السلام ضرب غلاما له قرعة واحدة بسوط وكان بعثه في حاجة فأبطأ عليه، فبكى الغلام وقال: اللّه يا علي بنالحسين، تبعثني في حاجتك ثُمَّ تضربني؟ قال: فبكى أبي وقال[ لي]: يا بُنيّ، اذهب إلى قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله فصلّ ركعتين ثمّ قل: اللّهم اغفر لعليّ بنالحسين خطيئته يوم الدين. ثُمَّ قال للغلام: اذهب، فأنت حرٌّ لوجه اللّه. قال أبوبصير: فقلت له: جعلتُ فداك، كان العتق كفّارة الضرب؟ فسكت! البحار، ج ٧١، ص ١٤٢، رقم ١٢.
وكان رجل من بني فهد يضرب عبدا له وهو يستعيذ باللّه ولم يقلع عنه حتى إذا أبصر رسولاللّه صلى الله عليه و آله استعاذ به فأقلع عنه. فقال له النبي: يتعوّذ باللّه فلا تعيذه، ويتعوّذ بمحمد فتعيذه!؟ واللّه أحقّ أن يجار عائذه من محمّد! فقال الرجل: هو حرّ لوجه اللّه. فقال النبي صلى الله عليه و آله: والذي بعثني بالحقّ نبيّا لو لم تعتقه لَسَفَعَتْ وجهك حرُّ النار. بحارالأنوار، ج ٧١، ص ١٤٣، رقم ١٥؛ وإحياء علوم الدين، ج ٢، ص ٢٢٠).
وقال الزهري: متى قلت لمملوكك: أخزاك اللّه، فهو حرّ. المصدر: ج ٢، ص ٢٢٠. والآثار من هذا القبيل كثير.