التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٦ - وقفة فاحصة
وتجديد بناء البيت المقدس وتعهّد تكاليف عمران تلك البلاد وغير ذلك من أعمال خير قام بها على أساس بسط العدل في الأرض. وبناء السدّ لحماية أقوام مستضعفين عن هجمات قبائل وحشيّة، كان أحد آثار هذا العمل الخيري. وهذا شيء عرفه الأوائل وعثر عليه أهل التحقيق من المتأخّرين.[١] ولا تزال الكشوف الأثريّة تطلعنا على غيوب من أسرار هذا القصص القرآني والذي لم يسجّله التاريخ.
و مواضع الغرابة في كلام هذا الكاتب المسترسل (خليل عبد الكريم) كثير سوف ننبؤك عليها، و الآن و قبل كلّ شيء لابدّ من النظر في أهمّ نقاط ركّز عليها بحثه الحاضر:
أوّلًا- كيف يصف هذه القصص بأنّها من التراث الشعبي والتي كان يعرفها العرب المعاصر لمحمّد، وبالأحرى أن يكون محمّد صلى الله عليه و آله أعرف بها من غيره ... هذا في حين أنّ القرآن يباريهم بأنّها من الآثار التي كان يجهلها محمّد وقومه من قبلُ؟
هو عندما يذكر قصّة نوح والطوفان والسفينة بتفصيل وبيان، يعود فيقول: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ...».[٢] فلو كانت العرب تعرفها وتعدّها من تراثها الشعبي الدارج، لكانت أولى بالردّ على هذا التحدّي الصارخ!
وكذا عندما ينتهي من قصّة يوسف وإخوته يقول: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ. وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ».[٣]
وهكذا بشأن الصدّيقة مريم وبشرى الملائكة لها يقول: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ. وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ. وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ».[٤]
فلو كان أهل الكتاب يعرفون التفاصيل المروعة والتي جاءت في القرآن نقيّة زاكية، لكانوا أولى بمجابهته وهم أشدّ المناوئين للإسلام ولرسالة محمّة صلى الله عليه و آله!
[١] - راجع: قاموس الكتاب المقدّس، ص ٧٤٣. وقد قام بهذا التحقيق المولى أبوالكلام آزاد، العالم الهندي الكبير. راجع: لغت نامه لعلي أكبر دهخدا، ص ١١٥٦٣، ذوالقرنين الثاني، نقلًا عن مجلة« ثقافة الهند».
[٢] - هود ٤٩: ١١.
[٣] - يوسف ١٠٢: ١٢.
[٤] - آل عمران ٤٤: ٣.