التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٠ - حديث ذي القرنين
وهكذا سار كورش (ذو القرنين) بجيوشه نحو مغرب الشمس (غربيّ بلاد فارس- آسيا الصغرى) حتّى أوقفه البحر، ولم يكن من شبر أمامه من يابس- في مسيرته تلك-!
فماذا بعد قرص الشمس المحتقن وقد تخضّب بحمرة كأنّه ينزف ما فيه من طاقة ...
ماذا بعد قرص الشمس وقد اصفرّ واحتَضَر وتضاءل عند الافق، ثمّ هوى وسقط غارقا في العين الحمئة ...[١] في خليج «إزمير»،[٢] بين الماء والطين الأسود العكر الّلذين يسكبهما نهر «جيديس»؟
لقد رأى كورش (ذو القرنين) في هذا المشهد ما يشدّه إلى الخالق الأعظم، مالك السماوات والأرض ومسيّر الأفلاك القابض الباسط العظيم المتعال.
لقد تضاءل- رغم ملكه العريض- أمام سقوط الشمس في عين حمئة، حيث أظلمت الدنيا بعدها، فعرف أنّ لكلّ شيء نهاية، وكلّ شيء هالك إلّا وجه اللّه الكريم. لقد توصّل كورش- بما لديه من خلفيّة روحيّة استمدّها من زرادشت- إلى حقيقة البعث والممات، وعظمة اللّه في الآفاق.
هذا هو شعب ليديا قد صار في قبضته، فماذا يفعل بهم؟
لقد منح اللّه ذا القرنين حرّية اختيار العفو عنهم أو تأديبهم والتنكيل بهم ... واختار ذوالقرنين العفو عمّن تاب وآمن. وقال: من كان هذا شأنه فسماح وعطف ويسر وتكريم وأمان ورحمة. ومن كفر وطغى وتجبّر فضرب بالأعناق وعنف وتأديب.
قال تعالى: «فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَ وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً. قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ... قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً».[٣]
[١] - والعين- هنا-: لجّة الماء وعبابُه المتموّج، فيترائى للناظر على ساحل البحر كأنّ الشمس تغرب في عبابه، كما أنّ الناظر إليها وهي تغرب في البرّ، كأنّها تغرب في أرض ملساء.
[٢] - هي« سميرنا»(Smyrne ) القديمة، مرفأ عظيم في تركيا على بحر إيجة.
[٣] - الكهف ٨٦: ١٨- ٨٨.