التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٢ - تفضيل البنين على البنات
الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
فقال يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ...».[١] والضمائر كلّها جمع ذكور، وهكذا في سائر مواضع القرآن.[٢]
ومن ثمّ وجّه إليهم التوبيخ اللاذع: «أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً».[٣]
كلّ ذلك إنْ دلّ فإنّما يدلّ على ازدراءٍ بشأن الأُنثى، جرى عليه العرب وجاراهم القرآن.
لكن ليس في شيءٍ من هذه التعابير اللّاذعة الموبّخة للعرب أيّ تعيير أو شائنة بشأن المرأة في ذات نفسها، لاتصريحا ولا تلويحا. وإنّما توجّه التشنيع على العرب بالذات في نظرتهم الخاطئة بشأن الملائكة، وأنّهم إناث، وبناتٌ للّه سبحانه «إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ».[٤] وأنّ وُلْده بنات.[٥] ومن ثمّ يسمّون الملائكة تسمية الأُنثى.[٦] الأمر الذي يدلّ على سفاهة عقولهم وغاية جهلهم بما وراء ستار الغيب. ذلك مبلغهم من العلم وإن هم إلّا يخرصون.
والذي يبدو عليه أثر السفاهة أنّهم نسبوا إلى اللّه ما يكرهونه لأنفسهم، فجعلوا لأنفسهم المفضَّل من الولد، وأمّا المشنَّع فجعلوه للّه سبحانَه. وهي قسمة غير عادلة حتّى في غياهب أوهام الخيال.
فكان موضع التشنيع هو هذا التقسيم غير العادل حتّى في مفروض الأوهام، الأمر
[١] - البقرة ٣٠: ٢- ٣٤.
[٢] - وسنتكلّم عن مواضع جاء التعبير فيها بالتأنيث في مثل المدبّرات ونحوها.
[٣] - الإسراء ٤٠: ١٧.
[٤] - الصافّات ١٥١: ٣٧ و ١٥٢.
[٥] - الزخرف ١٦: ٤٣- ١٨.
[٦] - النجم ٢٧: ٥٣.