التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٢ - القصة في القرآن حقيقة واقعة
المصري شيء منها، ومع ذلك عدّها المؤلّف قصصا تاريخيّا!
والأشدّ إثارةً للدهش أن يُضفي صفة التاريخيّة على المحاورة التي دارت بين المستضعفين والمستكبرين، ثمّ بين هؤلاء الآخرين وبين الشيطان، أو على سؤال اللّه عيسى عمّا إذا كان قد طلب مِن تَبَعه أن يعبدوه هو وأُمّه؟
ويلحق به ما جاء على لسان اليهود أنّهم قتلوا المسيح رسول اللّه، فبأيّ مقياس يعدّ هذا تاريخا؟
وهل يمكن للقصص التي أوردنا أمثلة منها أن تنضوي تحت صفة التاريخيّة؟ وبقدر ما أخفق المؤلّف في إفضاء صفة التاريخيّة على هذه القصص، بقدر ما حالفه التوفيق في القول بأنّها حقيقيّة بحسب اعتقاد المخاطبين بالقرآن المعاصرين لمحمّد!
فعرب الجزيرة آنذاك كانوا يؤمنون بصحّة وقائع قصص عاد وهود وثمود وصالح والناقة وآيات العذاب الأليم ... إلخ.
واليهود يؤمنون بصدق قصّة موسى وفرعون ومَلَئِه والضفادع والقمّل والدّم والآيات المفصّلات وموسى وشعيب وانقلاب العصيّ إلى حيّات وثعابين ... إلخ وخروج بني إسرائيل وانشقاق البحر ... إلخ وقبلها بقصّة ابنَي آدم وبالطوفان وبالسفينة الرائعة التي حفظت ذرّيّة آدم من الغرق ... إلخ.
إذن كان الأولى أن يصف هذه القصص بأنّها القصص الشعبيّة والقصص الدينيّة، ولا يغضّ هذا من قيمتها أو يقلّل من قدرها أو يهوّن من مصداقيّتها أو ينال من حقيقتها! خلاصة القول إنّ الكَسوة التاريخيّة التي حاول المؤلّف (خلف اللّه) أن يدّثر بها تلك القصص ليست ملائمة لها![١]
*** ويتلخّص هذا المذهب (الذي وسموه باسم الفكر الإسلامي الحديث) في أنّ القرآن قد استخدم القصص الشعبيّة وكذا القصص الدينيّة الشائعة مَعْبَرا للبلوغ إلى أهدافه في
[١] - الفن القصصي في القرآن، مع شرح وتعليق خليل عبدالكريم، ص ٤١٤- ٤١٦.