التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٥ - القصة في القرآن حقيقة واقعة
تصوّره الخيال!
نعم قصص القرآن حوادث واقعة (تاريخيّة) رسمتها ريشة الفنّ الأدبي في أبدع صورها وأروع أشكالها، لغرض التأثير على النفوس والأخذ بمجامع القلوب. فهناك مزج بين التاريخ والأدب وليس مجرّد فنّ التمثيل.
ذلك أنّ القرآن استخدم الفنّ في ترويج دعوته، مع الحفاظ على الواقع المتمثّل به، لغرض التأكيد على التأثير، ومتجنّبا مجالات الوهم ومحض الخيال، إذ لا تأثير لمجرّد الفرض وقد أكّد علماء التربية على مجانبة الابتناء على أساس منهار، إذ لاقوام لبناء كان أساسه على شرف هار. التربية لها مجال حقيقي في حياة الإنسان، فلا ينبغي بناؤها على أساس الفرض ممّا لاواقع له سوى الوهم والخيال. وسرعان ماينهار البناء إذا لم يكن له أساس مكين.
على أنّ القرآن- وهو كتاب هداية له دعوة الحقّ- في غنىً عن التمثّل بمفروضات الخيال، بعد وفور الأحداث والتجارب التي مرّت على حياة الإنسان، وقد كلّفته أثمانا باهظة إن رابحة أو خاسرة، هي تصلح لأن تقع موضع عبرته في مستقبل الزمان، نظرا لوحدة متطلّبات الحياة في غابر الأزمان وحاضرها والآتي.
والخلاصة: أنّ القصّة في القرآن هي تجربة واقعيّة قاسها الإنسان في حياته الغابرة، ولتكون عبرة في مستمرّ حياته، وليست مجرد فرض خيال:
أوّلًا- لأنّه في غنىً عن اللجوء إلى مفروضات خياليّة أو مشهورات هي مقبولات عامّيّة، بعد وفرة التجارب ذوات العبر في سالف حياة الإنسان.
ثانيا- لأنّ البناء على أساس الفرض والخيال سرعان ما ينهار إذا ما كسحته واقعيّات الحياة ولا سيّما بعد فضح الحال.
*** هذا ولكن هناك مَنْ يرى مِن قصص القرآن- كلّها أو جلّها- هي مشهورات عامّيّة استندها القرآن، لا اعترافا بها، بل مَعْبَرا للوصول إلى غايته في الهداية والإرشاد، على