التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٤ - التشبيه في رؤوس الشياطين
|
عَنْجَرِدٌ تحلف حين أحلف |
كمثل شيطانِ الحَماط أعرَفُ[١] |
|
وقال آخر يصف ناقته في المسير:
|
تُلاعبُ مثنى حَضْرميّ كأنَّه |
تَعَمُّجُ شيطانٍ بذي خِرْوَعٍ قفر[٢] |
|
والشيطان في هذين البيتين هي الحيّة المهيبة يُتَنَفَّر منها، لها عُرف كتاج الديك قبيح المنظر. فقد شبّه الشاعر في البيت الأوّل امرأته العجوز السليطة بشيطان الحماط القبيح المهيب. وهي الحيّة ذات عُرف يكثر وجودها تحت شجر الحماط في الصحراء القاحلة.
وفي البيت الثاني شبّه الشاعر زمام ناقته في تلوّيه بسبب مشية الناقة بتلوّي حيّة قبيحة الهيئة تلتوي في بيداء قفر.[٣]
وعليه، فالتشبيه في الآية الكريمة وقع على الواقع المشهود، هي رؤوس الحيّات القبيحة المنظر الهائلة على حدّ تعبير الزمخشري في الكشّاف. ووافقه اللغة والعُرف العامّ حسبما عرفت. وليس مجرّد تخييل أو تقليد لما توهّمته العرب كما زعمه الزاعمون!
وهكذا جاء في «تأويل مشكل القرآن» لابنقتبية قال: والعرب تقول إذا رأت منظرا قبيحا: كأنّه شيطان الحماط، يريدون حيّة تأوي في الحماط، كما تقول: أيمُ الضالّ، وذئب الغَضى، وأرنبُ خُلّة، وتيسُ حُلَّب، وقنفذُ بُرقَة.[٤]
قال الشيخ أبوالفتوح الرازي: وهذا كتشبيهه تعالى عصا موسى عليه السلام التي انقلبت حيّة
[١] - العنجرد: المرأة السليطة الطويلة اللسان الصخّابة، وجاء البيت في تأويل مشكل القرآن، ص ٣٨٩:« عُجيَّز» بدل« عنجرد». والحَماط- جمعُ حَماطة- شجر تنبت في البراري شبيهة التينة، تكثر حولها الحيّات. والأعرف: ذو العرف، هي اللحمة شبه التاج تكون في أعلى رأس بعض الحيّات مثل تاج الديك، وهي من أشدّ الحيّات تنفّرا.
[٢] - المثنى: زمام الناقة. والحضرمي منسوب إلى حضرموت. والخِرْوَع: شوك لايُرعى لغلظته ينبت في الفلوات القفر.
راجع: لسان العرب، ج ١٣، ص ٢٣٨- ٢٣٩؛ وراجع أيضا: معاني القرآن للفرّاء، ج ٢، ص ٣٨٧.
[٣] - تفسير أبيالفتوح الرازي، ج ٩، ص ٣١٣.
[٤] - تأويل مشكل القرآن، ص ٣٨٩. والأيم- بسكون الياء وتشديدها-: الحيّة البيضاء اللطيفة. والضالّ: نوع من الشجر ينبت في السهول والوعور له شوك، ويقال: هو السدر من شجر الشوك، وألفه منقلبة عن الياء. والغَضى: نوع من الشجر يأوي إليه أخبث الذئاب. والخُلّة: نبات فيه حلاوة. والحُلَّب: بقلة جعدة غبراء في خضرة تنبسط على الأرض، يسيل منها اللبن إذا قطع منها شيء. يقال: أسرع الظباء تيس حُلَّب، لأنّه قد رعى الربيع. والبُرقة: أرض غليظة مختلطة بحجارة ورمل. ويقال: قنفذ برقة كما يقال: ضبّ كُدية، وهي الأرض الصلبة الغليظة.