التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥٣ - هنا ملحوظة
ومن ثمّ عاملهم نبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله معاملة أهل الكتاب، وقال: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب».[١] وعن الإمام أميرالمؤمنين عليهالسلام: «إنّي أعلم ما عليه المجوس، عندهم شريعة يعملون بها، وكتاب يؤمنون به. فعاملوهم معاملة أهل الكتاب ...».[٢]
*** بقي هنا سؤال: كيف يُثني رجل التوحيد على آلهة عُبّاد الوثن- كما عرفت في منشور بابل- لو كان كورش ذلك العبد الصالح (ذا القرنين) الذي يصفه القرآن؟!
لكن يجب أن لا ننسى أنّ رجال الحكمة يرون الإنسان- على مختلف شعوبه- إنّما يرنو بفطرته الذاتيّة إلى خالقه المتعالي، هادفا ذلك الجمال الأوفى، حتى ولو اختلفت التعابير وتنوّعت الأساليب:
|
عباراتُنا شَتّى وحُسْنُك واحدٌ |
فكلٌّ إلى ذاك الجمال يُشيرُ |
|
وحتّى الوثني إنّما يهدف الزلفى إلى اللّه تعالى، وقد جعل الوثن رمزا يهديه إلى ذلك المقصد الأعلى والمطلوب الأوفى، قالوا:
«ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى»![٣]
ومن ثمّ نرى كورش عند مايتكلّم مع بني جلدته وفي أوساط توحيدية خالصة، يذكر الإله تعالى ويصفه بأسمى تمجيد:
«آهورامَزْدا» يعني الخالق الحكيم، ربّ العالمين، ربّ السماوات والأرض ومدبّرهما.[٤]
وهو عند ما يعلن بمشروعه الفخيم بشأن إطلاق سراح بني إسرائيل والتعبئة لإعادة بناء القدس الشريف وإحياء معالم دين اليهود المتمزّق، نراه يعبّر عنه سبحانه ب- «يهواه» على حدّ تعبير اليهود أنفسهم، يريدون ذاته المقدّسة، خالق السماوات والأرض ومدبّرهما.[٥]
وهو كذلك عندما يصف الإله المتعالي بلسان البابليين، لكنّه يصفه وصفا لاينطبق إلّا
[١] - رواه البيهقي في السنن الكبرى، ج ٩، ص ١٨٩- ١٩٠.
[٢] - روى البيهقي قريبا منه، ج ٩، ص ١٨٨- ١٨٩؛ وراجع: كتاب الخراج لأبييوسف، ص ١٢٩.
[٣] - الزمر ٣: ٣٩.
[٤] - تاريخ جامع أديان، ص ٤٥٦- ٤٥٧.
[٥] - إيران باستان، كتاب ٢، كورش، لحسن پيرنيا، ج ٢، ص ٤٠١.