التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٦ - النفاثات في العقد
وحاول الإضرار به يعلم أن لا نصيب له في العاقبة، فهو حين يختاره ويشتريه يفقد كلّ رصيدٍ له في الآخرة سوى العقاب. فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم وأضاعوا خيرات كانت لهم في عقبى الدار. «وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» لوكانوا يفقهون ويعون واقع الأمر.
النفّاثات في العُقَد[١]
النفث، قَذْف القليل من الريق شبيهٌ بالنفخ، وهو أقلّ من التفل. ونفث الراقي أو الساحر أن ينفث بريقه في عُقَدٍ يعقدها بعد كلّ زمزمة يتزمزم بها ليسحر بها فيما زعموا.
والمراد به هنا هي النميمة ينفثها النمّامون في العُقَد أي في الروابط الودّية ليبدّدوا شمل الالفة بين المتحابّين: المرء وزوجه، الوالد وولده، الأخوين، المتشاركين في صنعةٍ أو تجارةٍ أو زراعةٍ وغير ذلك ممّا يرتبط وأواصر الودّ بين شخصين أو أكثر. والعرب تسمّي الارتباط الوثيق بين شيئين أو شخصين عُقْدة، كما جاء التعبير عن الارتباط بين الزوجين «عُقْدَةَ النِّكاحِ» قال تعالى: «وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ».[٢] «إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ».[٣]
ومعنى الآية: ومن شرّ النمّامين الذين يحاولون بوساوسهم الخبيثة قطع الأواصر بين المتحابّين. وهذا من التشبيه في الجُمَل التركيبية، نظير التشبيه في سورة المَسَد بشأن امّ جميل امرأة أبيلهب «وَ امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ»[٤] أي النمّامة. حيث النمّام يحمل على عاتقه حطب لهيب النفاق والتفرقة بين المتحابّين. وجاء مناسبا مع تكنّي زوجها بأبيلهب. فهي تحمل حطب هذا اللهب. فكما أنّها لم تكن تحمل حطبا حقيقةً- كما زعمه بعضهم- لأنّها بنت حرب أُخت أبيسفيان وكذا زوجها أبولهب، كانا من أشراف قريش الأثرياء، غير أنّهما كانا يحملان خبثا ولؤما بالِغَين.
[١] - الفلق ٤: ١١٣.
[٢] - البقرة ٢٣٥: ٢.
[٣] - البقرة ٢٣٧: ٢.
[٤] - المسد ٤: ١١١.