التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤٥ - كورش هو ذلك العبد الصالح
كبيرة عند أهل فارس القديمة، وأنّها دَعَتْ كلّ إنسان وحَثَّتْهُ على اختيار أحد الطريقين:
إمّا أن يملأ قلبه بالخير والنور أو ينغمس في الشرّ والظلمة. وعلى كلٍّ فسيلاقي جزاءه ويحاسب على ما آتاه. ويعتبر المؤرّخون هذه العقيدة أقدم ديانة ظهرت في آسيا تعتقد بالحساب بعد البعث.
قال الدكتور خضر: ولعلّنا نجد في قول ذيالقرنين ما يشير إلى ذلك:
«قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً».
أي هناك إلها، سيرد إليه كلّ إنسان يوم البعث للحساب، فإن كان ظالما في حياته فسوف يعذّبه اللّه عذابا شديدا.
وقد ذكرت كتب المؤرّخين أنّ كورش لم يعمل السلب والنهب في القبائل الأيونية[١] التي أخضعها، ولم يسمح بالنهب والقتل فيما آل إليه من مدن وممالك. وكان بذلك على العكس تماما من الملوك الآشوريّين ... فإنّهم جعلوا المدن التي فتحوها في مستوى الأرض، وكانوا يتبجّحون بأنّهم تركوها خرابا يبابا، فلم يعد يسمع فيها نباح كلب أو صياح ديك. وقد ورد نفس الشيء عن ملوك عيلام.
وحين رأى الناس سلوك كورش، وقارنوا ذلك بما كان سائدا ومتّبعا آنذاك، كانوا يعتبرونه حاكما عادلًا منصفا، طيّب القلب يحبّ الخير للناس.[٢]
ويعتبره المؤرّخون أوّل من أرسى الاسس الأخلاقيّة في العالم القديم وأدخل اسلوبا جديدا لمعاملة الممالك التابعة والشعوب المغلوبة.[٣]
ويذكر المؤرّخ اليوناني الكبير «هيرودتس» أنّ كورش- بعد إخضاع بابل- توجّه نحو الشمال الغربي لإعادة الأمن على البلاد، وإخضاع القبائل الوحش (ماساجيت- ماجوج) التي كانت تشنّ إغارتها على البلاد الآمنة. يقول: وكان قد توجّه لذلك الصوب
[١] - أيونيّة: منطقة وسيعة في غرب آسيا الصغرى تشمل السهول الساحليّة لبحر إيجة والبحر الأسود وجزر منتشرة هناك، كان يسكنها المهاجرون اليونانيّون القدامى وأسّسوا هناك مملكة وسيعة مقتدرة حالفت ليديا وملكها« كرزوس» العاتي على كورش، لكنّ كورش سامحهم بعد الاستيلاء عليهم جميعا.
[٢] - مفاهيم جغرافيّة، ص ٢٥١- ٢٥٥.
[٣] - تاريخ إيران، ص ٧١- ٧٢.