التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٨ - النفاثات في العقد
قال شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بنالحسن الطوسي قدس سره: ولا يجوز أن يكون النبيّ صلى الله عليه و آله سُحِر، على ما رواه القُصّاص الجُهّال، لأنّ من يُوصَف بأنّه مسحور فقد خبل عقله، وقد أنكر اللّه تعالى ذلك في قوله: «وَ قالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً».[١]
وهكذا قال العلّامة الطبرسي في تفسيره للسورة عند الكلام عن شأن النزول.[٢]
وقال الاستاذ محمّد عبده: قد رووا هنا أحاديث في أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله سحره لَبيد بنالأعصم، وأثّر سحره فيه حتّى كان يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء وهو لا يفعله، أو يأتي شيئا وهو لا يأتيه. وأنّ اللّه أنبأه بذلك، واخرجت موادّ السحر من بئرٍ، وعوفي ممّا كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة!
ولا يخفى أنّ تأثير السحر في نفسه عليه الصلاة والسلام ماسٌّ بالعقل آخذٌ بالروح.
فهو ممّا يصدّق قول المشركين فيه: «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً».
والذي يجب علينا اعتقاده أنّ القرآن المتواتر جاء بنفي السحر عنه عليه الصلاة والسلام، حيث نسب القول بإثبات حصوله له إلى المشركين ووبّخهم على ذلك.
والحديث- على فرض صحّته- من أحاديث الآحاد التي لا يؤخذ بها في العقائد، وعصمة الأنبياء عقيدة لا يؤخذ فيها إلّا باليقين.
على أنّ سورة الفلق مكّية نزلت بمكة في السنين الاولى، وما يزعمونه من السحر إنّما وقع في المدينة في السنين الأخيرة حيث اشتدّ العداء بين اليهود والمسلمين فهذا ممّا يُضعف الاحتجاج بالحديث ويُضعف التسليم بصحّته.[٣]
قال سيّد قطب: هذه الروايات تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ، ولا تستقيم مع الاعتقاد بأنّ كلّ فعل من أفعاله صلى الله عليه و آله وكلّ قول من أقواله سنّة وشريعة. كما أنّها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول صلى الله عليه و آله أنّه مسحور، وتكذيب المشركين فيما كانوا يدّعونه
[١] - تفسير التبيان، ج ١٠، ص ٤٣٤، والآية ٨ من سورة الفرقان؛ وفي سورة الإسراء ٤٧: ١٧:« وَ إِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً».
[٢] - مجمع البيان، ج ١٠، ص ٥٦٨.
[٣] - ملحّض كلامه على ما جاء في تفسير المراغي، ج ١٠، ص ٢٦٨؛ وراجع: تفسير جزء عمّ لمحمّد عبده، ص ١٨١- ١٨٣.