التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٣ - «و جعلنا ذريته هم الباقين»
«وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ»[١]
دلّت الآية على أنّه لم يبق بعد الطوفان سوى نوح وبنيه وذراريه. وحتّى الذين ركبوا معه في الفُلك ممّن آمن به ونجوا من الغَرَق هلكوا وانقرضوا بلاعقب. هكذا جاءت في الروايات الإسلاميّة عن ابن عباس وقتادة. قال الكلبي: لمّا خرج نوح من السفينة مات مَن كان معه من الرجال والنساء إلّا ولده ونساءهم.[٢] ومن ثمّ كان نوح عليه السلام هو الأب الثاني لكافّة البشر بعد آدم عليه السلام.
لكنّه يتنافى وقوله تعالى خطابا لبني إسرائيل: «ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ».[٣] والموصول عامّ يشمل مَن ركب مع نوح من المؤمنين، ولايخصّ ولد صلبه- كما قيل- إذ لاشاهد عليه في ظاهر تعبير القرآن العامّ.
والقول بتشعّب البشر من ولد نوح الثلاثة (سام، حام، يافث) رواية إسرائيلية بحتة ذكرتها التوراة: «ومن هؤلاء تشعّب كلُّ الأرض».[٤]
غير أنّها ذكرت أيضا أنّ الذين ركبوا مع نوح هم بنوه وأزواجهم فحسب[٥] ليكون غيرهم لم يؤمنوا به إطلاقا ممّا يبدو غريبا جدّا أو كانوا آمنوا ولكنّهم بقوا ليكونوا مع المغرقين، وهذا أبعد وأغرب!
فالصحيح ماذكره القرآن: «قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ».[٦] فقد ركب معه من المؤمنين جماعة وإن كانوا في قلّة بالنسبة إلى قومه الأكثرين. وقد ذكر المفسّرون أنّهم كانوا ثمانين نفسا.[٧]
فلابدّ أنّ هؤلاء الذين ركبوا معه ونجوا كانوا معه وهبطوا جميعا بسلام «قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ».[٨]
[١] - الصافّات ٧٧: ٣٧.
[٢] - مجمع البيان، ج ٧، ص ٤٤٧.
[٣] - الإسراء ٣: ١٧.
[٤] - سفر التكوين، الأصحاح ٩/ ١٨.
[٥] - المصدر: ٧/ ٨.
[٦] - هود ٤٠: ١١.
[٧] - مجمع البيان، ج ٥، ص ١٦٤.
[٨] - هود ٤٨: ١١.