التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨٥ - لمحة عن حياة بنيإسرائيل في مصر
البحر يابسة وانشقّ الماء. فدخل بنوإسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم ...[١]
وأخذ بعضهم من ذلك شبهة أنّ فلق البحر كان بهبوب العواصف، ولم تكن آية معجزة! لكن لم يعهد أن تعمل الريح مهما اشتدّت هذا العمل العجيب في الخليج مرّة اخرى، بل كلّ الدهر، سواء قبل هذه الحادثة أم بعدها، فلم فعلت ذلك حين أمر موسى بنيإسرائيل بعبور البحر، ذلك الحين فقط؟!
قال الاستاذ النجّار: فلم يكن ذلك إلّا بعناية خاصّة من اللّه تعالى لإنفاذ ما في علمه.[٢]
*** وبعد فإذ قد علمنا أنّ سجلّات التاريخ، غالبيّتها إنّما تُعنى بشؤون السلاطين وإضفاء وابل الثناء عليهم خاصّة، حتى ولو كان بقلب الحقائق وتبديل سيّئاتهم حسنات وإعفاء ما سواها من شؤون، فياترى هل تجد هناك مجالًا لوصف محاسن خصومهم أو الإشادة بذكرهم، ولا سيّما إذا استدعى ذلك مسّا بكرامة الأسياد أو الحطّ من شأنهم الرفيع!!
لم تكد الوثائق التاريخيّة القديمة تتجاوز رغبات حاشية الملوك والامراء، فيما يعود إلىتفخيم شأنهم وتعظيم جانبهم بالذات، وأن لايذكر هناك شيء يشينهم أو يضع من شأنهم إطلاقا. فما هي إلّا إملاءات تمليها الأسياد، حسب ميولهم واتّجاهاتهم الخاصّة.
أمّا المحاسن فتذكر وتسجّل بتفصيل وتبيين- حتى ولو كانت مصطنعة- وأمّا المساوئ فتعفى، وتصبح نسيا منسيّا.
وقد عرفت مدى جهود السلطة المقدونيّة في طمس مآثر الحكم الهخامنشي الرهيب، بحيث طوى عليها التاريخ فتنوسيت حتى عن أذهان أبناء الفرس أنفسهم، حيث تداوم العمل المستمرّ في إخماد تاريخ السلف طيلة قرون.
أفلا تعجب من تناسي ذكر كورش ومآثره وحتى اسمه ورسمه عند أكبر مؤرّخي الفرس: الحكيم الفردوسي فلم يتحدّث عنه بشيء!!
هذا جانب خطير من مضاعفات سلطة الأجانب على البلاد.
[١] - سفر الخروج، الأصحاح ١٥: ١٤- ٢٣.
[٢] - قصص الأنبياء للنجّار، ص ٢٠٤- ٢٠٥.