التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١١ - كلام عن مس الجن
الدين، وما هذه الهجمة إلّا جفاء بشأن عالم مجاهد في سبيل الإسلام خبير.[١]
كلام عن مسّ الجنّ
وأمّا الكلام عن مسّ الجنّ وأنّ الجُنون داءٌ عارض من مسّه فيعالج باللجوء إلى الرُقى والتعويذات ودمدمة الكهنة وأصحاب التسخيرات وما إلى ذلك من خرافات بائدة. فالذي يمكننا القول فيه: أن ليس في القرآن شيء من ذلك، حتّى ولا إشارة إليه، إذ لا شكّ أنّ الجنون داءٌ عصبيّ وله أنحاء. بعضها صالح للعلاج بأسباب عادية ذكرها الأطبّاء في كتبهم قديما وحديثا، وهناك مراكز لمعالجة هذه الأمراض أو التخفيف من وطئتها بالأساليب العلاجية الطبيعية المتعارفة وليست بالأساليب الغريبة.
وليس في القرآن ما يبدو منه أنّ صاحب هذا الداء إنّما يُصاب على أثر مسّ الجنّ له.
نعم سوى استعماله لهذه اللفظة (المجنون) في أحد عشر موضعا.[٢] وكذا التعبير بمن به جِنّة في خمسة مواضع.[٣]
وهذا من باب المجاراة في الاستعمال[٤]- كما نبّهنا- حيث كان التفاهم بلسان القوم.
وليس عن اعترافٍ بمنشأ هذه التسمية اللغوية. ولا يزال الأطبّاء المعالجون- قديما وحديثا- يعبّرون عن المصاب بهذا الداء بالمجنون وعن نفس الداء بالجنون، مجاراةً مع لغة العامّة، ولا يعني ذلك اعتقادهم بمسّ الجنّ إيّاه حتميّا. وتلك دور المجانين معدّة لمعالجة المصابين بهذا الداء أو للحراسة عنهم مرسوم عليها نفس العنوان وليس إلّا لأجل التفاهم مع العرف الدارج لاغير.
و أمّا قوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ
[١] - راجع ما كتبه بهذا الشأن في تفسير المنار، ج ١، ص ٢٦٧- ٢٧٣، و ج ٣، ص ٩٦. وراجع أيضا: الميزان، للسيد الطباطبائى، ج ٢، ص ٤٣٣- ٤٣٩.
[٢] - الحِجر ٦: ١٥؛ الشعراء ٢٧: ٢٦؛ الصافّات ٣٦: ٣٧؛ الدخان ١٤: ٤٤؛ الذاريات ٣٩: ٥١ و ٥٢؛ الطور ٢٩: ٥٢؛ القمر ٩: ٥٤؛ القلم ٢: ٦٨ و ٥١؛ التكوير ٢٢: ٨١.
[٣] - الأعراف ١٨٤: ٧؛ المؤمنون ٢٥: ٢٣ و ٧٠؛ سبأ ٨: ٣٤ و ٤٦.
[٤] - أي مَن تُسمّونه بهذا الاسم. أو تَسِمُونه بهذه السِمة في استعمالكم المتعارف عندكم.