التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٠ - ٢ -«فوقكم سبع طرائق»
السماوات العُلى.
الطرائق: جمع الطريقة بمعنى المذهب والمسلك الفكري والعقائدي وليس بمعنى سبيل الاستطراق على الأقدام. ولم تُستعمل في القرآن إلّا بهذا المعنى:
يقول تعالى- حكايةً عن لسان الجنّ-: «وَ أَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَ مِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً».[١] أي مذاهب شتّى.
«وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى».[٢] أي بمذهبكم القويم الأفضل.
«إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً».[٣] وذاك يوم الحشر يتخافت المجرمون: كم لبثوا؟ فيقول بعضهم: عشرا. ويقول أعقلهم وأفضلهم بصيرة: «إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً».
«وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً».[٤] أي الطريقة المُثلى والمذهب الحقّ.
فالمقصود بالطرائق- في الآية الكريمة- هي طرائق التدبير والتقدير، المتّخذة في السماوات حيث مستقرّ الملائك المدبّرات أمرا والمقسّمات.[٥] «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ».[٦] «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ».[٧] أي تقدير أرزاقكم وكلما قُدّر لكم من مجاري الامور. «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ».[٨] «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ».[٩]
فالتدبير في السماء ثمّ التنزيل إلى الأرض «وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ».[١٠] «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ».[١١] ومن ثَمَّ تعقّب الآية بقوله تعالى: «وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ». قال العلّامة الطباطبائي: أي لستم بمنقطعين عنّا ولابمعزلٍ عن مراقبتنا وتدبيرنا لشؤونكم، فهذه الطرائق السبع إنّما جعلت ليستطرقها رسل ربّكم في التقدير
[١] - الجِن ١١: ٧٢.
[٢] - طه ٦٣: ٢٠.
[٣] - طه ١٠٤: ٢٠.
[٤] - الجنّ ١٦: ٧٢.
[٥] - النازعات ٥: ٧٩. والذاريات ٤: ٥١.
[٦] - السجدة ٥: ٣٢.
[٧] - الذاريات ٢٢: ٥١.
[٨] - يونس ٣: ١٠.
[٩] - الحِجر ٢١: ١٥.
[١٠] - مريم ٦٤: ١٩.
[١١] - القدر ٤: ٩٧.