التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٠ - الالتفات وتنوع الكلام
فهذا عزيز مصر- ينقل كلامه القرآن حينما واجه امرأته ويوسف على حالة استنكرها- يقول: «يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ».[١] فيخاطب يوسف أوّلًا، ثُمَّ يلتفت إلى امرأته يوبّخها.
وكلا الخطابين منساق في نسقٍ واحد ولكن في واجهتين، وقد نقله القرآن على شاكلته الاولى. والقرآن كلّه من هذا القبيل، لأنّه كلام اللّه واجه به عباده في صياغة خطاب ولم ينزل في صياغة كتاب. ومن ثَمَّ كانت فيه هذه الكثرة من الالتفات والتنقّل في الكلام.
الأمر الذي زاد في طراوته وزان في طلاوته.
يقول تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا».[٢]
يبتدئ الكلام بالخطاب مع الرسول ويتحوّل من فوره إلى مواجهة المؤمنين.
ثُمَّ الضماير المتتابعة الثلاثة «وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ» يعود الأوّلان منها إلى النبيّ والثالث إلى اللّه! وهذا من مداورة الكلام من وجهةٍ إلى وجهة، ويُعدُّ من ألطف صنع البديع.
ولايخفى أنّ مثل هذا لايدخل في متشابه الكلام بعد معروفية مراجع الضمائر لدى المخاطبين النابهين. وهو من حُسن الوجازة وظريف البيان (في ظاهر إبهام وواقع إحكام) سهلًا ممتنعا يكسو الكلام حلاوةً ممتعة.
فبدلًا من أن يكون الكلام مشوَّها مضطرب المفاد- حسبما راقه المتعرّب المتكلّف- أصبح حلوا سائغا يستلذّه المستمع النبيه.
ومثله في القرآن كثير ويكون من لطيف صنع البديع.
وبديعة الالتفات كانت غرّة البدائع التي ازدان بها كلام ربّ العالمين وقد بحثنا عنها وعن أنواع ظرائفها عند البحث عن روائع فنون بدائع كلامه تعالى (في المجلّد الخامس من التمهيد). ونبّهنا هناك على أنّه لابدّ في كلّ التفاتة من فائدة رائعة وراء تطرية الكلام
[١] - يوسف ٢٩: ١٢.
[٢] - الفتح ٨: ٤٨ و ٩.