التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٤ - ٦ -«و ينزل من السماء من جبال فيها من برد»
٦- «وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ»
قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً. فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ. فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَصْرِفُهُ عمن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ».[١]
«يُزْجِي»: يسوق. «يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ»: يؤلّف بين متفرّفه. «يَجْعَلُهُ رُكاماً»: متكاثفا. «فَتَرَى الْوَدْقَ»: قطرات المطر الآخذة في الهطول.
«وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ».
السؤال هنا: ماذا يعني بالجبال هذه؟ وماذا يكون المقصود من البَرَد وهو الماء المتجمّد على أثر ضغط البَرْد؟ وكيف يكون هناك في السماء جبالٌ من بَرَد؟
وقد مرّ عليها أكثر المفسّرين القُدامى مرور الكرام، وبعضهم أخذها على ظاهرها وقال: إنّ في السّماء جبالًا من بَرَد (من ثلج) ينزل منها المطر، كما تنحدر المياه من جبال الأرض على أثر تراكم الثلوج عليها. عن الحسن والجُبّائى[٢] وعن مجاهد والكلبي وأكثر المفسّرين: أنّ المراد بالسّماء هى المُظلّة وبالجبال حقيقتها. قالوا: إنّ اللّه خلق في السّماء جبالًا من بَرَد كما خلق في الأرض جبالًا من صخر. قال الآلوسي: وليس في العقل ما ينفيه من قاطع. فيجوز إبقاء الآية على ظاهرها كما قيل.[٣]
قال السيّد المرتضى: وجدتُ جميع المفسّرين على اختلاف عباراتهم يذهبون إلى أنّه تعالى أراد: أنّ في السّماء جبالًا من بَرَدٍ. وفيهم من قال: ما قَدْرُه قَدْرُ جبال. يعني مقدار جبال من كثرته.
قال: وأبومسلم بنبحر الإصبهانيّ خاصّةً انفرد في هذا الموضع بتأويلٍ طريف، وهو أن قال: الجبال، ما جَبَل اللّه من بَرَد، وكلّ جسم شديد مستحجر فهو من الجبال، ألمتر إلى قوله تعالى في خلق الأُمم: «وَ اتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ».[٤] والناس يقولون: فلان
[١] - النور ٤٣: ٢٤.
[٢] - مجمع البيان، ج ٧، ص ١٤٨.
[٣] - روح المعاني، ج ١٨، ص ١٧٢. وراجع: التفسير الكبير، ج ٢٤، ص ١٤.
[٤] - الشعراء ١٨٤: ٢٦.