التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - «و استوت على الجودي»
ومن مضاعفات هذا الزعم- كما نبّه عليه المحقّق الشعراني-[١] القول بعموم الطوفان المستحيل.[٢] إذ لازمه أن يكون الماء قد غمر رؤوس الجبال الشامخات، حيث رست السفينة- بعد ما أخذت المياه في النضوب- على قمّة جبل ترتفع خمس كيلومترات!
وممّا يجدر التنبّه له: أنّ القوم حسبوا من كلمة «الجودي»- باعتبارها اسم جبل- أنّها أعجمية معرّبة، فراحوا يجوبون البلاد علّهم يعثروا على ذلك الأصل أهو «جورداين» أو «جورداي» أو «قوردو» أو غيرها؟
لكن لامبرّر لهذا الحسبان بعد أن كان لهذه الكلمة أصل عربي خالص ولها سابق التعبير في جاهلية العرب. قال اميّهبن أبي الصلت:
|
سبحانه ثُمَّ سبحانا يعود له |
وقبله سبّح الجوديُّ والجُمُدُ |
|
الجودي- من الجود-: الرَبْوة من الأرض تجود بنباتها إذا أصابها وابلٌ آتت اكُلها ضعفين. والجُمُد: الحَزَنة من الأرض تجمد بنباتها وتبخل سواء أصابها وابل أو طلّ.
قال أبومسلم الإصبهاني: الجودي اسم لكلّ جبلٍ وأرض صلبة.[٣] في مقابلة الرخوة أي استقرّت على مرتفع من الأرض غير ذات وحل، وكانت ذات بركة عليه حينما نزل بها.
«قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ».[٤] فأوّل مفاتح البركات نزوله بأرضٍ ذات بركةٍ وجود.
وأين هذا من حسبان نزوله في أعالي جبالٍ شامخاتٍ ترتفع عن الأرض السهلة بخمس كيلومترات؟!
وهل كان نزوله حينذاك بسلامٍ وبركاتٍ أم بشقاء وعَناء؟!
[١] - معجم لغات القرآن للشعراني، ج ١١، ص ١٤٤.
[٢] - عادةً في الطبيعة. ولا ضرورة تدعو إلى مثل هذا الإعجاز!
[٣] - مجمع البيان، ج ٥، ص ١٦٥.
[٤] - هود ٤٨: ١١.