التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٧ - موهم الاختلاف والتناقض زيادة على ماسبق
قال: هذا وجه. ووجه آخر، وهو: أن يجعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد، على ماتعرف العرب و تستعمل، وإن كانتا قد تتغيّران. وتستثنى المشيئة من دوامهما؛ لأنّ أهل الجنّة وأهل النار قد كانوا في وقتٍ من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا، لافي الجنّة.
فكأنّه قال: خالدين في الجنّة وخالدين في النار دوامَ السماء والأرض، إلّا ماشاء ربّك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك.
وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون الاستثناء من الخلود مُكْثَ أهل الذنوب من المسلمين في النار، حتّى تلحقهم رحمة اللّه وشفاعة رسوله، فيخرجوا منها إلى الجنّة.
فكأنّه قال سبحانه: خالدين في النار مادامت السماوات والأرض إلّا ماشاء ربّك من إخراج المذنبين من المسلمين إلى الجنّة وخالدين في الجنّة مادامت السماوات والأرض، إلّا ماشاء ربّك من إدخال المذنبين النار مُدّةً من المدد ثم يصيرون إلى الجنّة.[١]
هذا ماذكره ابن قتيبة بهذا الشأن، والآيتان من مشكل القرآن، على حدّ تعبير المفسّر الكبير أبي علي الطبرسي. وأفاد هو هنا وجوها لحلّ الإشكال نذكرها بالتالي، ولنبدأ بالآيتين. بكاملتهما:
*** قال تعالى: «يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ».[٢]
فقد وقع الاستثناء بشأن كلّ من الأشقياء والسعداء، أمّا الاستثناء بشأن الأشقياء فلاموضع للكلام فيه، نظرا لأمرين:
أحدهما: أنّ هذا الاستثناء لم يقع بشأن المجموع من حيث المجموع، بل بشأن الجميع حسب الأفراد، فالجميع محكومون بالخلود في جهنّم إلّا ماشاء ربّك بشأن
[١] - تأويل مشكل القرآن، ص ٧٦- ٧٨.
[٢] - هود ١٠٥: ١١- ١٠٨.