التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٥ - وقفة فاحصة
قلت: كثير من أحداث مصر القديم لم يسجّلها التاريخ، بعد أن كان مهمّة التاريخ الأثري هو مجرّد وصف البلاط الملكي وزهو رجالات الحكم ومجونهم في البذخ والترف والأفراح، ليس غير. أمّا الأوضاع الاجتماعية وما عليه سائر الناس من الأحوال والأوضاع، فهذا ممّا لا يهتمّ به التاريخ القديم سوى ما كانت له صلة بأحوال الملك وحواشيه. فالتاريخ القديم إنّما هو تاريخ الملوك، وليس تاريخ الامم، على خلاف ما وسم الطبري تاريخه.[١]
ومثلًا لذلك نقول: كانت رحلة العبرانيين (بني اسرائيل) إلى مصر أمرا لاينكر، في حين أنّه لم يأت ذكر منها في تاريخ مصر القديم. وكذا موسى و هارون، فضلًا عن يوسف وإخوته ويعقوب، شيء لايمكن الغضّ عنه في تاريخ مصر، ومع ذلك لم يأت في كتابات مصر القديمة ولا إشارة إليه.
وهل نستطيع أن نشطب على كثير من هذه القضايا- المقطوع بصحّتها- بحجّة أنّها لم تذكر في كتابات الأهرام؟ وهل يمكننا الغضّ عن حادث خروج موسى ببني إسرائيل قاصدا أرض فلسطين، وقد عبر البحر إلى وادي سيناء مارّا بمضيق من البحر الأحمر في منطقة قريبة من خليج السويس ولعلّه كان متّصلًا بالبحيرة المرّة وأصبحت أرضا يابسة وقد اتّخذها موسى معبرا لقومه. والمحلّ مشهور باسمه إلى الآن.[٢]
على أنّ إبراهيم وابنيه إسحاق وإسماعيل وكذا موسى وهارون ومن بعدهما من أنبياء، ملأ بذكرهم الآفاق، لم يذكرهم التاريخ المسجّل، فهل يصلح ذلك حجّة للقول بكونهم رجال أساطير؟
هذا ذوالقرنين عرف أخيرا أنّه «كورش» الملك الفارسي العظيم وجاء ذكره في كتب العهد القديم وهو الذي فتح بابل عام (٥٣٨ قم) وأطلق سراح بني إسرائيل من الأسر وحماهم وأسكن قسما منهم في مدينة «شوش» تحت زعامة «دانيال النبيّ» وسرّح الباقي إلى أرض فلسطين بزعامة «عزرا» ليشيد بناء الهيكل وإحياء آثار بني اسرائيل
[١] - وسم تاريخه باسم تاريخ الامم والملوك، في حين أنّه ليس في تاريخه ذكر عن أحوال الامم وأوضاعها، سوى ما يمسّ شأن القادة الملوك وتصرّفاتهم التعسّفية.
[٢] - انظر: قصص الأنبياء للُاستاذ عبدالوهاب النجار، ص ٢٠٤.