التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٣ - نحو مغرب الشمس
عامَلَ كرزوس بالحسنى- وفقا للآية الكريمة- كما كانت شيمته الكريمة مع سائر الملوك المغلوبين، كان يعاملهم الحسنى، كما فعل بملك ماد وملك أرمنستان وغيرهما.[١]
ويذكر هيرودوت أنّ كورش كان يودّ- في بداية الأمر- أن يختبر صلابة الملك الأسير وإيمانه فأمر بإضرام النار ليلقى فيها، ثمّ عدل عن ذلك- رأفةً ورحمةً به- وزاد من إكرامه وتعزيزه، وبلغ من إكرامه أن اتّخذه مستشارا كان يستشيره في مهامّ اموره.[٢]
وأمّا بقيّة رواية هيرودوت من إلقاء الملك الأسير- فعلًا- في النار، ثمّ عنّ له- لبادرة بدرت من كرزوس- فأمر بإنجائه وذويه من النار ... فإنّ المحقّقين من أرباب التاريخ المعاصرين، لا يتوافقون على صحّته، إذ كان متنافيا مع معتقدات الفرس آنذاك، حيث تقديسهم لجانب النار وأن لا تتلوّث بالأقذار، فضلًا عن مخالفته لشيمة ملوك الفرس عامّة من اتّخاذ طريقة الرأفة بالاسراء الملوك والأخذ بجانب حرمتهم بالذات.
ولعلّ هيرودوت أخذ هذه القصّة من قصّاصين قبله وسجّله في كتابه من غير تحقيق.[٣]
بعد ذلك واصل كورش زحفه غربا في آسيا الصغرى لإخضاع المستعمرات اليونانيّة- وكانت قد رفضت التحالف مع كورش في حربه مع ملك ليديا- كما كان من الطبيعي بعد انتصاره على الليديّين أن يفكّر كورش في الوصول إلى بحر إيجة (غرب ليديا) الذي تحتاج إليه الإمبراطوريّة الفارسيّة لتسهيل مصالحها التجارية العالميّة، وكانت المدن الأيونيّة (المستعمرات اليونانية) على شواطئ هذا البحر مشهورة بغناها، ولكنّها منقسمة على بعضها وبالتالي كانت ضعيفة، فكانت تؤلّف غنائم سهلة التناول تغري الفاتحين.
وكانت مباغتة فجيعة لليونانيّين على شواطئ آسيا الصغرى عندما رأوا الجيوش الفارسيّة الجرّارة تطبّق عليهم جميعا وتستولي بحملة واحدة على مدنهم كلّها على سواحل بحر إيجة.
[١] - مفاهيم جغرافية، ص ٢٤٢.
[٢] - تاريخ هيرودوت، ترجمة الوحيد المازندراني، الكتاب الأوّل، ص ٥٣- ٥٥.
[٣] - راجع: تاريخ إيران، ص ٦٦؛ ومفاهيم جغرافيّة لعبد العليم خضر، ص ٢٤٢.