التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦٣ - من الذي بنى سد مأرب؟
على «سويق»، وفي ناحية «ذمار بلد عنس» جميعا.
فشعاب هذه المواضع وأوديتها، إذا أمطرت السماء تجمّعت فيها السيول، وانحدرت حتى تنتهي أخيرا إلى وادي «أذنة» وهو يعلو نحو (١١٠٠ متر) عن سطح البحر، فتسير فيه المياه نحو الشرق الشمالي، حتى تنتهي إلى مكانٍ قبل مدينة مأرب بثلاث ساعات، هو مضيق بين جبلين، يقال لكلّ منهما: «بلق»،[١] يعبّر عن أحدهما بالأيمن وعن الآخر بالأيسر، والمسافة بينهما (٦٠٠) ستمأة خطوة (أو ذراع) ويسمّيها الهمداني: «مأذمي مأرب» يجري السيل الأكبر بينهما من الغرب الجنوبي إلى الشرقيّ الشماليّ في وادٍ هو وادي أذنة.
واليمن مثل سائر بلاد العرب، ليس فيها أنهر، وإنّما يستقي أهلها من السيول التي تجتمع من مياه المطر، فإذا أمطرت السماء فاضت السيول وزادت مياهها عن حاجة الناس، فيذهب معظمها ضياعا في الرمال. فإذا انقضى فصْل المطر ظمئ القوم وجفّت أغراسهم، فكانوا إمّا في غريق أو حريق، وقلّما ينتفعون حتى أيّام السيول من استثمار البقاع المرتفعة (الهضبات) عن منحدرات الجبال. وكان قد يفيض السيل حتى يسطو على المدن والقرى، فينالهم من أذاه أكثر ممّا ينالون من نفعه. فساقتهم الحاجة إلى استنباط الحيلة في اختزان المياه ورفعه إلى مستوى الهضبات وتوزيعه على قدر الحاجة. فاختار السبأيّون المضيق بين جبلي «بلق» وبنوا في عرضه سورا عظيما عرف بسدّ مأرب أو سدّ العرم، لريّ ما يجاور مدينتهم (مأرب) من السهول والهضبات.
والجبلان المذكوران، بعد أن يتقاربا عند مضيق بلق، ينفرجان ويتّسع الوادي بينهما، وعلى ثلاث ساعات منهما نحو الشمال الشرقي من مدينة مأرب أو سبأ، في الجانب الغربي أو الأيسر من وادي أذنة. فإذا جرى السيل حاذى بابها الشرقي، وبين المضيق والمدينة متّسع من الأرض تبلغ مساحة ما يحيط به من سفوح الجبال نحو (٣٠٠) ميل مربّع، كانت جرداء قاحلة، فأصبحت بعد تدبير وإلجام المياه بالسدّ، غياضا وبساتين على
[١] - يقال: بَلَق السيل الأحجار بَلْقا وبلوقا: جرفها. وقد كانت السيول جرفت طرفي سفح الجبلين، فسمّيا: البَلَقين.