التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٨ - نظرة فاحصة عن إصابة العين
يكون ما أمَرَ بِهِ المُستَحسِنَ للشيء عند رؤيته له من إعاذته باللّه والصلاة على رسول اللّه[١] قائما في المصلحة مقام تغيير حالة الشيء المُستَحسَنِ، فلا تُغَيَّر عند ذلك، لأنّ الرائي قد أظهر الرجوع إلى اللّه سبحانه والإخبات له، وأعاذ ذلك المرئي به، فكأنّه غيرُ راكنٍ إلى الدنيا ولا مغترٌّ بها ولا واثقٌ بما يرى عليه أحوال أهلها.
قال: ولعمرو بنبحر الجاحظ في الإصابة بالعين مذهبٌ انفرد به، وذلك أنّه يقول: إنّه لا يُنكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشيء المستُحسَن أجزاءٌ لطيفة فتؤثّر فيه وتجني عليه. ويكون هذا المعنى خاصّا ببعض الأعين كالخواصّ في الأشياء. قال: وعلى هذا القول اعتراضات طويلة وفيه مطاعن كثيرة ...[٢]
وهذا الكلام نقلناه بطوله لما فيه من فوائد جمّة وتنبيهٌ على أنّ من حكمته تعالى القيام بمصالح العباد، فربما يحطّ من هيمنة المعيون كي لا يطغو العاين فيخرج عن حدّه، ثمّ إنّه تعالى يعوّض المعيون بما يسدّ خلّة الضرر الوارد به. وقد يكون ذلك في مصلحة المعيون لتكون كفّارةً لما فرط منه من الغلوّ أو التفريط بشأن العاين. لكن هذا لاينافي ما علّل به ابنسينا أو الجاحظ في بيان السبب الطبيعي الواقع تحت إرادة اللّه الحكيمة.
وهكذا ذهب المتأخّرون في بيان التعليل الطبيعي لإصابة العين وفق ما أودع اللّه من خصائص في طبيعة الأشياء.
قال سيّد قطب: والحسد انفعالٌ نفسي إزاء نعمة اللّه على بعض عباده مع تمنّي زوالها.
وسواء أتبع الحاسد هذا الانفعال بسعيٍ منه لإزالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيظ، أو وقف عند حدّ الانفعال النفسي، فإنّ شرّا يمكن أن يعقّب هذا الانفعال.
قال: ونحن مضطرّون أن نطامن من حدّة النفي لما لانعرف من أسرار هذا الوجود وأسرار النفس البشرية وأسرار هذا الجهاز الإنساني. فهنالك وقائع كثيرة تصدر عن هذه
[١] - قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله:« من أعجبه من أخيه شيءٌ فليذكر اللّه في ذلك، فإنّه إذا ذكر اللّه لم يضرَّه». والأحاديث بهذا المعنى كثيرة. راجع: بحار الأنوار، ج ٦٠، ص ٢٥.
[٢] - المجازات النبوية للسيّد الشريف الرضي، ص ٣٦٧- ٣٦٩، رقم ٢٨٥.