التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٤ - عبس وتولى
فتبارك اللّه أحسنُ الخالقين
جاء التعبير بأنّه تعالى أحسنُ الخالقين في موضعين من القرآن[١] ممّا يشي بأنّ هناك خالقين سوى اللّه ليكون هو أحسنهم!! في حين أنّه تعالى ينفي بكلّ شدّةٍ أن يكون خالقٌ غيرَه إطلاقا وأنّه خالق كلّ شيء ولا خالق سواه، فما وجه التوفيق؟
غير أنّ الخَلْق بمعنى الإبداع وإيجاد الصورة بالتركيب الصناعي أمر يعمّ. فقد حكى اللّه تعالى عن المسيح: «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ».[٢] وقوله: «وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي».[٣] والخلق- في كلام العرب- ابتداع الشيء، وإنّما يخصّه تعالى إذا كان إنشاءً لا على مثال سبقه. وكلّ شيءٍ خلقه اللّه فهو مبتدءه على غير مثال سُبق إليه. «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ».[٤]
قال ابنالأنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين: أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه، والآخر التقدير. وقوله تعالى: «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»[٥] معناه: أحسن المقدّرين. وكذلك قوله تعالى: «وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً»[٦] أي تقدّرون كذبا.
قال ابنسيده: خَلَق اللّهُ الشيء يخلُقه خلقا: أحدثه بعد أن لم يكن.
قال ابنمنظور: والخلق التقدير. وخَلَق الأديمَ يخلقه خلقا: قدّره لما يريد قبل القطع، وقاسه ليقطع منه مَزادةً أو قربةً أو خفّا. قال زهير بن أبي سُلمى يمدح رجلًا:
|
ولأنت تفري ما خلقتَ وبع- |
- ضُ القوم يخلق ثمّ لايفري |
|
يعني: أنت إذا قدّرت أمرا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدّر وليس بماضي العزم.[٧]
عبس وتولّى
وممّا جعله أهل التبشير المسيحى ذريعةً للحطّ من كرامة القرآن- بزعم وجود
[١] - المؤمنون ١٤: ٢٣؛ والصّافّات ١٢٥: ٣٧.
[٢] - آل عمران ٤٩: ٣.
[٣] - المائدة ١١٠: ٥.
[٤] - الأعراف ٥٤: ٧.
[٥] - المؤمنون ١٤: ٢٣.
[٦] - العنكبوت ١٧: ٢٩.
[٧] - لسان العرب، مادّة« خلق».