التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٢ - متى كان هذا الهروب واللجوء؟
وفي رواية اخرى عنه أيضا: هذا قول أهل الكتاب، فردّ اللّه عليهم «قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا».[١]
*** قلت: قصّة أصحاب الكهف، حسبما جاءت في القرآن، قصّة قديمة موغلة في القدم، يرجع عهدها إلى ما قبل الميلاد، ولعلّه بقرون. ولأنّها بقضيّة يهوديّة أشبه منها أن تكون قضيّة مسيحيّة.
روى محمد بنإسحاق بإسناده إلى سعيد بنجبير وعكرمة عن ابنعباس، قال: إنّ النضر بنالحرث بنكلدة وعقبة بن أبيمعيط، أنفذهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمّد، وَصِفا لهم صفته، وَخَبِّراهم بقوله، فإنّهم أهل الكتاب الأوّل وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عندنا. فخرجا حتّى قدما المدينة فسألا أحبار اليهود عن النبي صلى الله عليه و آله وقالا لهم ما قالت قريش.
فقال لهما أحبار اليهود: اسألوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهنّ فهو نبيّ مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل، فارأوا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل، ما كان أمرهم؟ فإنّه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجلٍ طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟
وفي رواية اخرى: فإن أخبركم عن الثنتين ولم يخبركم بالروح فهو نبيّ.
فانصرفا إلى مكّة، فقالا: يا معاشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمّد، وقصّا عليهم القصّة. فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه و آله فسألوه. فاستمهلم النبي صلى الله عليه و آله حتّى يأتيه الوحي، فمكث اسبوعين حتّى نزلت الآيات بشأن أصحاب الكهف وذي القرنين وبشأن الروح:
إنّه من أمر ربّي ولم يبيّن.[٢]
وفي هذا الوصف الذي جاء في رواية ابناسحاق، دلالة واضحة على أنّ حديث الفتية حديث قديم يرجع عهده إلى الدهر الأوّل. وربّما يعني ذلك: العهد القديم السابق
[١] - الدرّ المنثور، ج ٥، ص ٣٧٩.
[٢] - مجمع البيان، ج ٦، ص ٤٥١- ٤٥٢.