التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٧ - القصة في القرآن حقيقة واقعة
وعجائب. وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات».[١]
يقول الاستاذ خلف اللّه: يجري القرآن على هذا المذهب الأدبي في محاولته هدم عقيدة المشركين السابقة، وقد كانت تعتبر العقبة الاولى في سبيل الدعوة الإسلاميّة لما فيه من إتاحة الفرصة للمشركين بأن يدّعوا أنّ محمّدا من الكهّان وأنّ الذي يُطلعه على الغيب هم الشياطين وليس وحي السماء.
حارب القرآن هذه الفكرة وحاربها تدريجيّا وبأساليب مختلفة. فالجنّ كانت تقعد مقاعد للسمع. ولكن الكواكب أصبحت رجوما والشهب أصبحت رواصد «وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً».[٢] والجنّ تخطف الخطفة حتّى بعد رسالة محمّد صلى الله عليه و آله وحتّى بعد أن حدثت المعجزة ومنعت الجنّ من الاستراق. «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ. إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ».[٣]
ذلك اسلوب محاربة الفكرة يوم أن كان سلطانها قويّا وإيمانهم بها عنيفا، ويوم أن كان القرآن في أوّل عهده بهم.
ولكن حينما تقدّم الزمن وحينما استقرّ الأمر في البيئة واشتهر أمر المعجزة وأخذ القوم يصدّقون بالرجم انتقل القرآن إلى اسلوب آخر في محاربة الفكرة فادّعى أنّ الجنّ ما كانت تعلم الغيب وأنّها لو كانت تعلمه ما لبثت في العذاب بعد أن فارق سليمان عليه السلام الحياة «فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ».[٤]
واسلوب المحاورة قد يوقع بعض المفسّرين في إشكالات خاصّة، حينما يأخذون المسائل مأخذ الجدّ ويحاولون البحث عن الأجرام السماويّة وهل كانت موجودة قبل محمّد أو لم تكن؟ وإذا كانت فكيف جعلت رجوما؟ وهكذا إلى أن يضيّقوا هم أنفسهم
[١] - الكشاف، ج ١، ص ٣٢٠.
[٢] - الجنّ ٩: ٧٢.
[٣] - الصافّات ٦: ٣٧- ١٠.
[٤] - سبأ ١٤: ٣٤.