التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٤ - نظرة فاحصة عن إصابة العين
قال الزجّاج: معنى الآية، أنّهم ينظرون إليك عند تلاوة القرآن والدعاء إلى التوحيد نظر عداوةٍ وبغضٍ وإنكارٍ لما يسمعونه وتعجّبٍ منه، فيكادون يصرعونك بحدّة نظرهم ويزيلونك عن موضعك. وهذا مستعمل في الكلام، يقولون: نظر إليَّ فلان نظرا يكاد يصرعني ونظرا يكاد يأكلني فيه. وتأويله كلّه أنّه نظر إليَّ نظرا لو أمكنه معه أكلي أو يصرعنى لفعل.[١]
وهكذا قال الجبائي: إنّ القوم ما كانوا ينظرون إلى النبيّ صلى الله عليه و آله نظر استحسان وإعجاب بل نظر مقتٍ ونقص.[٢]
وهكذا قوله: «وَ مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ»[٣]- في سورة الفلق- أي إذا حاول السعي وراء حسده لغرض إيقاع الأذى والضرر بالمحسود. أي استعذ باللّه من شرّ الحاسد إذا حاول إنفاذ حسده، بالسعي والجدّ في إزالة نعمة مَن يحسده، فهو يعمل الحيل وينصب شبائكه لإيقاع المحسود في الضرر والخسران، وربّما بأدقّ الوسائل والذرائع، وليس في الاستطاعة الوقوف على ما يدبّره من مكائد إلّا أن يُستعان عليه بربّ الفَلَق أي مسبّب الفرج والخلاص من كيد الكائدين، والإحباط من مساعيهم الخبيثة.[٤]
نظرة فاحصة عن إصابة العين
أمّا الجهة الاخرى- وهو البحث عن إصابة العين ومدى تأثيرها السيّئ في النفوس والأموال- فقد شاع الإشفاق منها في أوساط بدائية وربما في أوساط متحضّرة أيضا، وفي ذلك نوع من الاعتراف بحقيقته إجماليا. وربّما علّلوه بتعاليل تبدو طبيعية ترجع إلى نفس العاين. قالوا: هي تشعشعات تموّجيه تنبعث من عين الرائي الذي أعجبه شيء على أثر انفعاله النفسي الخاصّ والأكثر إذا كان عن حسدٍ خبيث، وربما من غير شعور بهذا
[١] - مجمع البيان، ج ١٠، ص ٣٤١.
[٢] - بحار الأنوار، ج ٦٠، ص ٣٩.
[٣] - الفلق ٥: ١١٣.
[٤] - راجع: تفسير المراغى، ج ٣٠، ص ٢٦٨- ٢٦٩؛ و تفسير جزء عمّ للشيخ محمد عبده، جزء عمّ، ص ١٨٣- ١٨٤.